المؤمنون

كتبها وائل عزيز ، في 15 يونيو 2009 الساعة: 11:52 ص

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه.

يشير هذا الحديث إلى شرط من شروط الإيمان وعلامة من علاماته، وهو أن يتمنى الإنسان لأخيه ما يتمناه لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه. وفي رواية لأحمد: (لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير). ويوضحها بطريقة عملية مباشرة رواية أخرى في مسند الإمام أحمد عن يزيد القسري قال قال لي رسول الله: (أتحب الجنة؟ قلت: نعم قال: فأحب لأخيك ما تحب لنفسك). ويشمل ذلك جميع الأعمال الصالحة من الاعتقادات و الأقوال والأفعال الدينية والدنيوية.

والقيمة التي يدعو إليها هذا الحديث فريدة. هي خليط من الإيثار والتسامح والتعاون والتواضع والتناصح والبر. ولا أجدها بهذا التوصيف في أي دين آخر، أو أية دعوة أخرى.

هذا الحديث لا يدعوك إلى الصدقة، وهي مطلوبة، ولكنه يدعوك لأن ترتقي بمشاعرك لا لتقدم عوناً لأخيك المحتاج، ولكن لكي تتمنى من قلبك صادقاً أن يحظى بما حظيت به المكرمة والفضل والمال. تخيل أن مليارديراً – يحب لنفسه الرفاهية- لا يفكر فقط في حجم الأموال التي سيتبرع بها كصدقات، وإنما في عدد الناس الذين سيساعدهم ليكونوا مثله.

وتخيل أن ضابطاً – يكره لنفسه الأذى والتعذيب- لا يفكر فقط في كيف سيتعامل مع المعتقلين بود واحترام، ولكن كيف سيساعدهم ليخرجوا من هذا الحبس الظالم.

وتخيل أن طبيبا يعالج أحد مرضاه، ولا يفكر فقط في كيف يخفف على مريضه تكاليف العلاج، وإنما أيضاَ في أنه سيبذل كل ما في وسعه ليخفف من ألم هذا المريض، لأنه لا يحب لنفسه أن يكون مريضاً متألماً مثله .

لا يؤمن… أي لا يستحق صفة الإيمان الحقيقي من لا يفعل ذلك.

إن الحديث لا يقول أحبوا أعداءكم ولا باركوا لاعنيكم. وهو لا يقول من ضربك على خدك الأيمن فأدر له كفك الأيسر، ولا يقول إذا كانت أمامك فرصة للترقي فقدم أخاك إيثاراً، ولا يقول لك: فكر بطريقة win/win يعني الكل رابح، ولا يقول لك: لا تتمنى لعدوك أو منافسك الزلل، وإنما يدعوك لأن تفعل ما هو أرقى من ذلك كله…

وهو أن تتوجه إلى قلبك لا جوارحك لتبني فيها هذا المعنى النبيل الفريد… وهو يا أخي لا فرق إن كنت أنا الغني أو أنت، لا فرق إن كنت أنا الرئيس أم أنت، لا فرق إن كنت أنا الفائز أم أنت، ففرحي فرحك، وسعادتي سعادتك. وأيضاً: لا فرق إن كنت أنا المكلوم أو المصاب أو المجروح أم أنت فهمومك همومي، وأتراحك أتراحي... خفف الله عني وعنك.

أنت لا تقول ذلك بلسانك، ولا تعلنه في التليفزيون كجزء من حملتك الدعائية، ولا تكتبه وتوثقه في الشهر العقاري حتى تثبته أمام المحكمة، وإنما تفعل ذلك بينك وبين ربك، تتبناه وتمارسه وتعيش به… أنت لا تفعل ذلك وحدك بل المجتمع كله يفعله.

إنني أتخيل الأثر الإيجابي على المجتمع وعلى الاقتصاد وعلى السياسة وعلى العلم، مع زيادة عدد من يطبق هذا الحديث بشكل كامل. وأعتقد أن على من يبحث عن مفتاح سحري للترقي السريع على المستوى الشخصي والمجتمعي والأممي، ومن يبحث عن حل فوري لمشاكل البطالة والعنوسة وسوء الأخلاق والمرور والفقر، فليس عليه أن يبحث عن الحل عند مستشار غربي، وإنما عبر جملة: "أحب لأخيك ما تحب لنفسك".

سأتخيل أن رجال الأعمال سيطبقون هذه القاعدة (أحب لأخيك ما تحب لنفسك)، وبالتالي فإن كلمة المنافسة سيتم استبدالها بكلمة التشاور، وسيتغير هدف رجل الأعمال الناجح من أن يحتكر السوق ويحطم كل منافسيه، إلى أن يضاعف مجتمع الأعمال حجم العمل الإجمالي ليس من أجل أن يتحالفوا ضد المستهلك، - فهم لن يؤمنوا حتى يحبوا للمستهلكين ما يحبونه لأنفسهم- ولكن من أجل إتاحة الفرصة للموهوبين للنمو، وللفرص أن تتضاعف، وللثروة أن تنمو، وللبركة أن تعم.

وسأتخيل أنني طالب أحب لزميلي ما أحب لنفسي، فسأتبادل معه كل المعلومات التي أعرفها، وسيفعل هو الشيء نفسه معي، وسأساعده بنماذج امتحانات وحلول أسئلة صعبة، ومراجع حصلت عليها، وسيفعل هو الشيء نفسه معي… وسيفعل نفس الشيء معنا أستاذنا… ولا يهمني بعد ذلك من يحصل على الترتيب المتقدم، لأني أحب له أن يكون الأول كما أحب ذلك لنفسي، وسأفعل كل ما بوسعي حتى لا يرسب لأني لا أحب لنفسي الرسوب… جرب أثر هذا الجو على حقيقة العلاقات بين الناس، وعلى مستوى البحث العلمي.. الذي ندفع ثمن انهياره من كرامتنا واحتياجنا لعلوم الآخرين.

وسأتخيل أن شاباً متديناً أكرمه الله بالقرب منه، وهداه إلى طريقه، ورأى ما أنا عليه من معاصي وانحراف عن طريق الحق، فهو بموجب هذا الحديث يحب لي ما يحب لنفسه، وسيظهر من اهتمامه بي وحرصه على مصلحتى ما أفعله أنا مع ابني، لأنه يشفق على من النار، ولن يكل ولن يمل حتى يساعدني على العودة إلى رشدي، لأفعل أنا الشيء نفسه مع آخرين، لأني أحب للناس جميعاً ما أحب لنفسي.

ولا أظن أن أحداً يستوعب معنى هذا الحديث ويطبقه يمكن أن يتصف بالحسد والحقد، وبغض الآخرين، والأنانية والجشع والغش والكذب والنفاق والغيبة والنميمة والظلم والديكتاتورية والغرور وغير ذلك من الصفات التي يكره أن يعامله الناس بها. في نفس اللحظة التي أبدأ فيها باغتياب زميلي أتذكر أني لا أحب أن أكون مكانه فأتوقف فوراً، ومع نفس الهاجس الشيطاني الذي يوسوس لي أن أغشه في الميزان، أتذكر أني لا أقبل أن أكون المغشوش فأكف وأستغفر.

كان عطاء بن واسع يبيع حمارا له، فقال له رجل: أتنصحني بشرائه. فقال عطاء بعفوية: لو كان جيداً لما فكرت ببيعه، ولم يهمه أن يكسب الصفقة ويخسر الرجل الذي لا يعرفه. وكان ابن عباس يتمنى لو أن لديه إذاعة مباشرة يعلن فيها للناس جميعاً ما تعلمه من التفسير وأسباب النزول. وكان أحد الصالحين قد ألزم نفسه بالصوم يومياً لمدة عام كامل، وقبل أن يتم العام بعدة أيام، كان يسير في أحد الطرقات، فدعاه رجل بسيط لمشاركته في طعامه، فلبى دعوته خشية أن يظن الرجل أنه يتكبر عليه، وبدأ من اليوم التالي في بداية صوم جديد لعام قادم.

ويوفر الحديث المظلة التي يجب تجري تحتها وفي ضوئها الأوامر والنواهي. إنني لا أفعل الخير لأكون المبرز والمقدم والمحمود في أعين الناس، ولكني أفعله لأني أحب للناس ما أحبه لنفسي. ولا أتجنب الشر لأني مطالب ألا أقع فيه، ولكن لأني أكره للناس ما أكرهه لنفسي.

وينبغي أن أرتقي فلا أفكر بمنطق الحلال والحرام الشرعي وحده، وإنما بمنطق الحلال والحرام الحضاري والإنساني. لا أعني أن أخترع فقهاً فوق الفقه، ولكن يعني أنني لكي أستحق وصف المؤمن فأنا فقط لا أبحث عن الحرام فأتجنبه، وإنما أتجنب أيضاً كل مواقع الشبهات التي فيها إساءة إلى الآخرين، حتى ولم تأخذ –فقهاً – وصف "حرام". والحديث هنا عن آداب أكثر منه حديث عن أحكام.

أنا لا أقاطع من يكلمني لأني لا أحب أن يقاطعني أحد، ولا أسيء الظن بمسلم لأني لا أحب أن يسيء أحد الظن بي، ولا أرفع صوتي على أحد لأني لا أحب أن يرفع أحد صوته علي، ولا أسخر من أحد لأني لا أقبل ذلك على نفسي، ولا أضر أحداً بقول أو فعل لأني أكره أن يحدث ذلك لي، وما أقوله لزوج ابنتي هو نفس ما أقبل أن يقال لابني من حماه، وأعامل زوجة ابني كما أعامل ابنتي، ولا أسترق النظر إلى عورة جاري لأني لا أحب ذلك منه، والأمثلة لا تحصى.

المسلم الذي يحب لأخيه ما يحبه لنفسه لا يزاحمه في الصلاة في الروضة الشريفة – بالمناسبة الأحاديث وردت في فضلها وليس في فضل الصلاة فيها- ولا يلكزه عند الطواف، ولا يحجز لنفسه الصف الأول في المسجد، ولا يحرم أخاه من قبول هديته. ولا يتعارض ذلك مع التنافس في طاعة الله والمسابقة بالخيرات. وأوامر القرآن تدعونا: "وسارعوا إلى مغفرة من ربكم"، و "في ذلك فليتنافس المتنافسون". فسارع وسابق في الطاعات لا بغرض أن تسبق الآخرين، ولكن بغرض أن تسبق نفسك.  والقاعدة الذهبية هي: (من نافسك في الدنيا فنافسه في الدين).

وليس من صفات المؤمن الحقيقي أن يلتزم التزاماً صارماً بالكف عن المحرمات، وعدم الوقوع في الشبهات، ثم لا يعنيه – أو يفرح – إذا وقع في ذلك أحد معارفه لأنه سيكون أفضل في أعين الناس. إذا فعل ذلك فهو لن يكون أفضل عند ربه.

أعلم أنه لا يقدر على هذه الصفة ويقوى عليها إلا من رزقه سلامة الصدر، وأخلى قلبه من الغل والغش والحسد فمن كان كذلك سره ما سر أخاه وساءه ما ساء أخاه. وأعلم أن بناءها يحتاج إلى كثير من المجاهدة والمصابرة والمراقبة حتى تتمكن من النفس وتصير ملكة. وأعلم أننا قبل أن نقول للغني تمنى أن يكون أخاك أغنى منك، علينا أن نطالبه أولاً بأن يدفع زكاة ماله، ويحسن معاملة مرؤوسيه، ويكف عن أكل أموال الناس بالباطل. لكن ابتعادنا عن المثال، لا يعني أن نكف عن الإشارة إليه والدعوة لتحقيقه.

ويتسع معنى الحديث ليشمل محبة الخير لغير المسلمين، بداية من محبة أن يهديهم الله لنعمة الإسلام، وحتى إن لم يتحقق ذلك فلا ينبغي أن يكون اختلاف الديانة سبباً لامتلاء القلب ببغض النجاح للمخالف في العقيدة، أو تمني الفشل لهم. والإخوة معنى لا يقتصر على الإخوة في الدين، وفي القرآن الكريم: "وإلى عاد أخاهم هوداً"، فهو أخوهم، وإن كانوا على غير الإسلام. وفي الفقه تفصيل بين من يستحق لقب الأخ، ومن يظل – بحكم التعريف- في دائرة الأعداء.

…………………..

الدولة القائمة على الإيمان هي دولة منتصرة…

لا قيمة للتفوق العسكري أو الاقتصادي أو العلمي…

إذا قام في دولة خالية من الإيمان…

ولا إيمان بغير أن يجب الإنسان لأخيه ما يحبه لنفسه.

عرفت فالزم.

………….

……..

 

……

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الطريق | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “المؤمنون”

  1. أستاذي الفاضل
    إن مما تعلمته من صور تطبيق هذا الحديث الشريف، ما يلي:
    كنت في صدر شبابي، شديد الاعتداد بنفسي لدرجة أنني كنت أرفض أن يساعدني أحد في شيء. مع أنني كنت أعرض خدماتي على الناس. وفد كان في ذلك شيئا من الكبر للأسف.

    إلى أن استوقفتني يوماً خالتي قائلة “ألا تحب أن تساعد الناس؟ ويسعدك ذلك ويشعرك بالأهمية؟” فقلت “بلى” قالت، “ألا تحب أن يقبلوا منك مساعدتك؟” قلت “بلى” قلت “فعاملهم بمثل ما تحب أن يعاملوك، واقبل منهم ما تحب أن يقبلوا منك”.

    أحسب أن هذا المعنى مما يفوت الكثيرين، أن يكرموا من حولهم بالأخذ أحياناً كما يكرمونهم بالعطاء. فكثرة العطاء دون أخذ قد يشعر المعطي بالاستعلاء، أو الآخذ بالنقص والدونية. وهو ما يتنافى مع معنى الحديث الشريف.

    تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر