رأيت فيما يرى النائم أن الحاضر الغائب الإمام الشيخ الشعراوي زارني في المنام، وكأني تحدثت إليه وكأنه رد على تساؤلاتي بخصوص رأيه فيما استجد من أحداث بعد رحيله قبل أقل قليلاُ من عشر سنوات (انتقل مولانا الإمام في إبريل عام 1998) .. وقد حاولت طاقتي أن أحتفظ بنص الحوار… لأنقله إليكم غير منقوص… ولكن لم يسعني تسجيل حوار كان في المنام أو بين اليقظة والمنام…
على كل حال، فكأن ما يلي هو الجزء الثاني مما دار بين شيخنا الجليل وبيني …
- أحد شيوخ الأزهر يقول أنا مجرد موظف حكوميً؟ هل ترى أنه خانه التعبير… وأن مثل هذه التصريحات تساهم في الحط من تصور الناس عن مكانة الأزهر وقيمته؟
لا أدري ما الذي تقصده بقولك: موظف حكومي؟ إذا كنت تقصد أنه يعين من الرئيس، وأنه يتقاضى مرتبه من الدولة، وأن له وضعاً بروتوكولياً محدداً فهذا صحيح. أما إذا كنت تقصد أنه لا يتحدث إلا بإذن، ولا يستقبل ضيوفه إلا بعد استئذان، ولا يصرح إلا بتوجيه، ولا يوافق أو يعترض إلا بتنسيق مع الحكومة أو ممثليها، فهذا تنازل لا يقوم به إلا من فقد الثقة في نفسه ومن فقد مؤهلات المنصب أصلاً.
دعني أؤكد لك أن منصب شيخ الأزهر والمفتي ووزير الأوقاف هي في النهاية مناصب سياسية… والدعوات التي توجه لأى منهم لحضور بعض المناسبات الوطنية أو السياسية توجه لهم بحكم وظيفتهم لا بحكم أشخاصهم. وعلى من يكون في هذا المنصب أن يكون واضحاً تماماً في أولوياته… فولاؤه الأول يجب أن يكون لدينه ولعلمه الذي أؤتمن عليه، وولاؤه بعد ذلك يجب أن يكون لوطنه ودولته التي يمثلها، ولا يمنع أبداً أن يكون له ولاء لرئيس الدولة، فهذا مطلوب شرعاً على ألا يكون هذا على حساب دينه وكرامته. إنني أشعر بالخجل وأنا أكرر هذه المباديء البسيطة التي يعرفها أي مسلم فضلاً عن أن يكون في منصب ديني كبير، ولكن يبدو أن شهوة المنصب تنسي البعض هذه المسلمات، وتدفعه إلى تقديم تنازلات تخص كرامته الشخصية بشكل مشين. كرامة الأزهر من كرامة علمائه… ولو كنت شيخ الأزهر لما عملت فقط على أن أحافظ على كرامة شيخ الأزهر، ولكن أيضاً كرامة أصغر طالب علم أزهري.
- مولانا ولكن هل يمكن عملياً أن يعترض شيخ الأزهر أو المفتي على قرارات حكومية أو يتخلف عن تلبية واجبات بروتوكولية؟
بحكم الدستور المصري… الحاكم ليس مضطراً أن يأخذ رأي الأزهر في كل قانون يصدره مجلس الشعب أو قرار يصدره الرئيس. وهناك عشرات الفتاوى التي تصدر حتى الآن كل يوم تحرم ممارسات تقوم بها الحكومة، في إدارة صالات القمار أو توفير المشروبات الكحولية أو قبض فوائد الديون أو منع الحجاب أو إجبار المجندين على حلق اللحية وغيرها… ولا أدري لماذا يميل الناس إلى تصديق أن رجال الأزهر موالون للحكومة وأن مهمتهم إصدار فتاوى تجيز لهم ممارساتهم المخالفة للشرع… هناك أمور محل إجماع في الشريعة لا يملك عالم أزهري على مخالفتها، وهناك مسائل أخرى محل خلاف… ربما وجدت الحكومة مدخلاً لها من خلالها.
عندما أصدر الشيخ عبد المجيد سليم فتواه بتحريم الحفلات الراقصة التي يقيمها الملك في قصره، دعاه الملك فاروق لحضور صلاة الجمعة في مسجد قصر عابدين وهو القصر الذي أُقيم فيه الحفل الراقص، فذهب المفتي وجلس في المكان المخصص له، وقد رتب الملك أن يحرج الشيخ عندما يمد يده لمصافحته فيتركه دون أن يصافحه، لكن الشيخ عبد المجيد سليم هدته فطرته الإيمانية إلى عدم رفع يده، فغضب الملك و قال له الملك: ما الذي دعاك يا شيخ للفتوى ضدي؟ فأجابه الشيخ: المفتي إذا سُئل لابد أن يجيب ليعرف الناس الحق من الباطل، ولينتهي المبطلون إذا أرادوا، وإلا عرضوا أنفسهم لعقاب الله. المهم أن الشيخ لم يكتف بهذه المواجهة بل رفض بعد ذلك حضور الحفلات الرسمية التي يترأسها الملك، وكانت تأتيه الدعوة ولا يعتذر عن عدم الحضور. ومعني هذا أن يبقي المقعد المخصص للمفتي شاغراً، مما يسييء إلى الملك. وقد نبهه رئيس الديوان إلى خطأ هذا التصرف وإلى أهمية أن يعتذر مسبقاً، فرفض الشيخ وأجابه: إن موقفه قضية كرامة، وإذا اتصلت الكرامة بالبروتوكول، كانت الأولوية للكرامة، ولا بأس عليكم إذا لم توجهوا الدعوة إلى المفتي. ولم يملك الملك إلا الاعتذار للشيخ واسترضائه.
وبالرغم من أن كثيرين يصنفون الشيخ عبد الرحمن تاج بأنه من الموالين لنظام عبد الناصر، خاصة بعد فتواه الشهيرة ضد الرئيس محمد نجيب، إلا أن علينا أن نعترف بأفضال هذا الرجل على الأزهر، وحرصه على كرامته. وقد حدث أنه في أوائل عام 1957.. فوجىء الشيخ بقرار جمهوري بتفويض علي صبري في جميع صلاحيات رئيس الجمهورية فى كل ما يختص بالأزهر.. ورأى الإمام الأكبر فى هذا القرار مخالفة دستورية وقانونية للقانون رقم 26 لسنة 1936، ومحاولة لفرض وصاية وزير على المشروعية الإسلامية التي يحمل الأزهر أمانتها. وقرر الشيخ عبد الرحمن تاج ألا ينفذ قرار الوزير بإسناد منصب مدير إدارة الثقافة بالأزهر إلى الدكتور محمد البهى.. و كان الشيخ تاج نفسه يعتزم إسناد هذه الوظيفة للدكتور البهى، و لكن دفاعا عن كرامة الأزهر رفض عبد الرحمن تاج تنفيذ قرار علي صبري, و أصدر قرار بإلغاء إدارة الثقافة و إعادة الدكتور البهي إلى منصبه القديم أستاذا بكلية اللغة العربية, و لم ينجح علي صبري في فرض وصايته على الأزهر. وكان لابد من البحث عن حيلة لإبعاد الشيخ عبد الرحمن تاج من مشيخة الأزهر , و فى أول سبتمبر عام 1958, تم تكوين أول اتحاد بين مصر و سوريا و اليمن و صدر قرار بتعيين الدكتور عبد الرحمن تاج وزيرا فى الوزارة الاتحادية على اعتبار أنه شخصية دينية كبيرة, و أن الأمام أحمد حميد الدين إمام اليمن فى ذلك الوقت يسعده بأن يكون بجوار شخصيه دينية كبيرة، و هكذا تم إبعاده عن الأزهر و ظل وزيرا حتى عام 1961 بعد الانفصال عن سوريا.
- وماذا عنك يا مولانا… هل تعرضت لمواقف مشابهة وأنت في منصب الوزارة ؟
لا أخفيك سراً …. فرغم أن الرئيس السادات كان يهمه إرضائي إلا أن الست جيهان لم تكن تستريح لي، والحقيقة أني أيضاً لم أكن مستريحاً لقربها من دوائر اتخاذ القرار. دعتني مرة لإلقاء محاضرة على مجموعة من سيدات المجتمع في مصر الجديدة، ولما دخلت وجدتهن جميعا سافرات بغر حجاب، الحقيقة أن الحجاب لم يكن قد انتشر في مصر بالشكل الذي نراه الآن، ولكني وجدتها فرصة للانسحاب فغادرت القاعة فوراً ولم أفكر كثيراً في الحرج الذي وقعت فيه، وقد أخبرني الدكتور محمود جامع أنها أقسمت له: أنا حاشيله من الوزارة وأبلغه ذلك على لساني. ولما بلغني الخبر قلت له: ومن قال إنني حريص على الوزارة، أو حتى أريدها .. يا ريتهم يشيلوني منها النهارد قبل بكرة. ولم يعجبها أيضاً أني فصلت توفيق عويضة من المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وأحلته إلى النيابة. وقد حاول السادات أن يسترضيني عندما عينني عضوا بمجلس الشورى في أول تشكيل له عام 1980. سأقول لك سراً لا يعرفه كثيرون.. هل تعلم أنني حتى هذه اللحظة لم أحلف اليمين.
هل صحيح أنها ضغطت عليك لتمرير قانون الأحوال الشخصية عم 1979 ولكنك رفضت؟
لا أقول إنها ضغطت… لا هي تقدر ولا كنت أنا سأسمح… ولكني أعتقد أن الست جيهان عندما كنت وزيراً حاولت أن تستخدم اسمي للترويج لقانون الأحوال الشخصية التي كانت تخطط له مع بعض سيدات المجتمع، والذي صدر عام 1979 بعد تركي الوزارة…فانتهزت فرصة حضوري حفل قران ابنة السادات من ابن عثمان أحمد عثمان، وأرادت أن تتودد لي، تمهيداُ لمفاتحتي في دعم القانون، فاقتربت مني، وكنت جالساً على طاولة الرئيس وقالت: ؟إزيك يا شيخ شعراوي؟ فرددت: الله يسلمك. وسألت: إزي بنتك؟ قلت: كويسة. فقالت: هي لسه بتخدمك؟ فرددت بنفس الاقتضاب: أيوه لسه بتخدمني (بعد وفاة زوجتي رحمها الله). سكتت السيدة جيهان لبرهة، قبل أن تعيد تحويل الحديث نحو ما جاءت من أجلها، فبادرتها بقوله: وحضرتك ما سألتنيش السؤال اللي ناقص. فقالت: وهو إيه؟ فقال: وطابخين إيه النهاردة؟! فلم يملك السادات وعثمان أحمد عثمان إلا أن ينفجرا في الضحك، فابتسمت بضيق، ثم انصرفت بعد أن قطعت عليها الطريق بظرف وأدب.
- هل تربط هذا الموقف بإعفاءك من منصبك بعد أقل من عامين في الوزارة؟
لا زلت أذكر التاريخين جيداُ. نوفمبر 1976م وكنت وزيراً الأوقاف وشئون الأزهر، وبعدها كان دائماً وزير شئون الأزهر هو رئيس الوزراء لأنه يصدق على قرارات شيخ الأزهر وهو في منصب يعادل رئيس الوزراء. وتاريخ نهاية الوزاة (التحرير) هو أكتوبر عام 1978م. لم أصنع الكثير وأنا وزير، ولكني سعيد بأني أول من أصدر قرارًا وزاريًا بإنشاء أول بنك إسلامي في مصر هو (بنك فيصل) مع أن هذا ليس من اختصاصاتي، لكن مجلس الشعب وافق على ذلك، وفي سنة 1987م كنت أسعد باختياري عضوًا بمجمع اللغة العربية (مجمع الخالدين.
عدم التجديد لي كان أمرأ متوقعاً، فلم أكن على نفس الخط مع توجهات الدولة، كما أني لم أجد نفسي في المنصب، وإنما كنت أجد نفسي أكثر في مجال الدعوة والتفسير. المفاجأة لم تكن في عدم التجديد لي، فقد كان بقائي عامين في المنصب مدة طويلة جداً علي وعليهم، الغريب أن التغيير شمل رئيس الوزراء نفسه ممدوح سالم الذي شكل الوزارة لخمس مرات متتالية، وكان على وشك تشكيلها للمرة السادسة. لقد سألت السادات بعد ذلك عن أسباب عدم التجديد له مرة أخرى، بالرغم من أن أداءه كان جيداُ، قال ببساطة: أبداً الناس بتحب تغير. وطبعاً لم أقل له: لماذا يقف حب الناس للتغيير عند حدود رئيس الوزراء ولا يتعداه إلى شخص الرئيس. وكان الرئيس قد أمضى 8 سنوات في الحكم لا 26 سنة.
- هناك كثيرين يأخذون عليك أنك عندما كنت وزيراً للأوقاف وقفت في مجليس الشعب وقلت عن الرئيس السادات إنه لا يسأل عما يفعل. وعندها انفعل الشيخ عاشور عضو المجلس، وتحدث إليك بما يسيء، فرددت عليه بغضب… هل لازلت ترى أن الرئيس لا يسأل عما يفعل؟
انظر يا بني… لكل واحد مهمة ومسئولية… ومن المهم أن نكون واعين لما نفعل وما نقول حتى لا نخلط الأوراق، ونبدل الأدوار أو نبحث عن بطولة زائفة. دور العالم أن ينصح ويعظ ويبين و ينبه ويذكر الناس باليوم الآخر… ودور الحاكم أن يتخذ القرار ويتحمل المسئولية. وإذا بذل العالم رأيه في النصح بإخلاص وتأكيد… وأصر الحاكم على رفضه فلا يمكن أن نلوم العالم… فحتى الرسل أنفسهم لم يطلب الله منهم أن يضمنوا أن تنجح دعوتهم في كسب كل الناس لصفهم، "وما على الرسل إلا البلاغ المبين"… أما أمر الاستجابة والهداية فهو في النهاية بيد الله، وإلا فلماذا خلق الشيطان وأمرنا بمخالفته؟!!
وهناك أمر آخر يتعلق برأيي في مسألة الشورى… وهو رأي يختلف معي فيه كثيرون منهم الشيخ الغزالي، وأنا أعلم أن والدك من مدرسته، وكم تناقشنا في هذا الأمر… لكنه يبقى رأيي الذي أدين الله تعالى به… وهو رأي كونته منذ كنت طالباً في الثلاثينات… ولم أغيره حتى لقيت ربي… وخلاصته أن "الشورى معلمة"… بينما يرى آخرون أن "الشورى ملزمة"… ولكل فريق وجهة نظره وأدلته… وكلانا يرى أن الشورى "واجبة"… وأن الحاكم يأثم إذ لم يقم بها… فريق الشيخ الغزالي يرى أن على الحاكم أن يأخذ برأي الأغلبية التي شاورها، وأنا أرى أن الحاكم مسئول، وما دام قد قام بواجبه بإخلاص، وليس مجرد أداء شكليات وتسديد خانات، واستطلع آراء أهل الحل والعقد، فلا تثريب عليه إن خالفهم… فربما رأى ما لا يرون، وربما علم ما لم يعلموا… وهو في النهاية المسئول الأول والأخير عن قراره. وهذا هو ما قصدته بقولي "لا يسأل عما يفعل"… وأذكر أني استخدمت في الجملة "لو كان الأمر بيدي"… ولو هو حرف امتناع الامتناع… لا أريد أن أستعيد هذه الأحداث… ولكني لم أكن سعيداً بالانفعال الذي دار بيني وبين الشيخ عاشور، وكانت له مواقف مشابهة مع عبد الناصر والسادات ليسجل مواقف.. وهو ما دفعني لأن أسكته وأقول له: "أنا أعرف بالله منك، أنا أعرف بالله منك"… وقد طلبت منه أن يغفر لي انفعالي عليه بعدها… والله أعلم بالنوايا غفر الله لنا وله.
- وهل يعني هذا أنك لو كنت شيخ الأزهر لتركت الرئيس يفعل ما يريد دون نصح أو حساب أو عتاب؟
تسألني هل أترك الرئيس يفعل ما يريد دون نصح أو حساب أو عتاب؟ مستحيل. لو كنت متخذاً لي قدوة، لكان العز بن عبد السلام، في يوم العيد خرج موكب السلطان الصالح أيوب في شوارع القاهرة، والشرطة على جوانب الطريق والسيوف مشرعة، والأمراء يقبّلون الأرض بين يدي السلطان هيبة وأبهة، وهنا وقف العز بن عبد السلام وقال: يا أيوب؛ هكذا باسمـه مجردًا من الألقاب، فالتفت الحاكم ليرى: من الذي يخاطبه باسمه بلا مقدمات، ولا ألقاب؟ ثم قال له العزّ: ما حُجَّتُك عند الله - عز وجل - غدًا إن قال لك: ألم أُبَوِّئْكَ ملك مصر، فأبحت الخمور؟ فقال: أو يحدث هذا في مصر؟ قال: نعم، في مكان كذا، وكذا، حانة يباع فيها الخمر وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلّب في نعمة هذه المملكة؟ فقال: يا سيدي، أنا ما فعلت هذا، إنما هو من عهد أبي. فَهَزَّ العز بن عبد السلام رأسه وقال: إذن أنت من الذين يقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) [الزخرف:22]، فقال: لا، أعوذ بالله، وأصدر أمرًا بإبطالها فورًا، ومنع بيع الخمور في مصر.
- من العلماء من يرى أن المنكر إذا كان على الملاً فليكن الاعتراض عليه في العلن وعلى الملأ… وإذا كان في السر فليكن الاعتراض عليه سراً… ما رأيك يا مولانا؟
أرى أنه كلما كان نصح الحاكم سراً كلما كان هذا أدعى لقبوله، حتى لا يركبه العناد، فالنصيحة على الملأ فضيحة، والمهم أن يزول المنكر، لا أن نشتهر بين الناس بالجرأة والشجاعة… فربما رفع هذا قدرنا عند الناس، وحط منه عند الله، وباب الإخلاص ضيق، لا يدخل منه من أتخم نفسه بتصفيق الجماهير.. وسره عجيب لا يطلع عليه إلا الله، حتى أن الملائكة لا تستطيع تسجيله وكتابته.. وأحياناً يكون السكوت أكثر جرأة وشجاعة
المزيد