دفاعاً عن حق الإفتاء…. لا دفاعاً عن فتوى المفتي

نوفمبر 11th, 2007 كتبها  وائل عزيز نشر في , الأزهر الشريف, الخطاب الديني

 

لا يعنيني أن أثبت أن فضيلة المفتي الدكتور علي جمعة قد أصاب في رأيه بخصوص الغرقى المصريين على الشواطئ الإيطالية… ولا يهمني أن أدلل على أنه قد جانبه الصواب.. والأمر عندي أخطر من أن تعليقاً جماعياً رافضاً لرأي أو حكم أو فتوى (سمها ما شئت) يمكن أن تدفع المفتي لتغيير رأيه.. وإنما يعنيني ويهمني ويقلقني أن أقف على انتكاسات حادة في منطقنا في تفسير الأحداث، وطريقتنا في الحكم عليها، و قدر ومكانة علمائنا الرسميين في نفوسنا.

 

لم يكن فضيلة المفتي وهو يعلق على الأحداث ويرفض إطلاق وصف "شهداء" على الضحايا، يستعرض أدلة فتوى أصدرتها دار الإفتاء بناء على طلب من أحد أقارب الضحايا، ليستخدمها في المحكمة للحصول على تعويضات مادية من  منظمي الرحلة المشئومة، ولم يكن الذين رفضوا الفتوى "الدينية" يناقشونها من منطق الأدلة الشرعية التي وجدوها متهافتة، وإنما من منطق اللياقة والتوقيت والأثر، وهو منطق إن صح في مناقشة القرارات السياسية فلا ينبغي أن يكون مرتكزاً لمناقشة الفتاوى أو حتى التصريحات المنسوبة إلى علماء شرعيين رسميين.

ولم يغب – بالتأكيد – عن المفتي وهو يصدر هذه التصريحات التي أثارت عشرات الصحفيين ونواب البرلمان ضده أنه – لا يملك – لا هو ولا أي مخلوق على وجه البسيطة- أن يصدر حكماً من نوع : "قريبك شهيد"، أو "قريبك منتحر". وليس أمامنا إلا أن نتوقف بشأن من رحلوا ونترك أمرهم لله تعالى، فلا أحد يعلم على وجه اليقين النية التي خرج بها من خرج، ولا الحال التي لقي الله عليها كل راحل في لحظاته الأخيرة.. ولا نملك إلا أن ندعو لهم بالرحمة والمغفرة، ولأهلهم بالصبر والسلوان، وهو سبحانه واسع العفو ورحمته قريب من المحسنين… الراحلين منهم والباقين.

وأرى أن فضيلة المفتي قد اتخذ موقفاً وسطاً معتدلاً.. فلا هو تساهل في إطلاق وصف الشهداء عليهم، ولا هو نعتهم ب "المنتحرين" كما فعل البعض. وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. ولا أدري سبباً يفسر هذا الهجوم الكاسح على المفتي، والذي شارك فيه كثيرون بغير علم ولا برهان مبين، إلا كونه تصفية لحسابات قديمة بين المفتي وعدد من الصحفيين، أو طعناً للحكومة في شخص المفتي.. خاصة أن رأيه بأن الضحايا شهداء لن يكون صكاً بدخولهم الجنة، وإصرار غيره على أنهم منتحرون ليس توطئة لدخولهم النار.

وجموع الصحفيين – ومنهم إسلاميون فضلاء-  الذين أخذوا عل

المزيد


حوار شامل مع الشيخ الشعراوي (2/3)

نوفمبر 9th, 2007 كتبها  وائل عزيز نشر في , الأزهر الشريف

 رأيت فيما يرى النائم أن الحاضر الغائب الإمام الشيخ الشعراوي زارني في المنام، وكأني تحدثت إليه وكأنه رد على تساؤلاتي بخصوص رأيه فيما استجد من أحداث بعد رحيله قبل أقل قليلاُ من عشر سنوات (انتقل مولانا الإمام في إبريل عام 1998) .. وقد حاولت طاقتي أن أحتفظ بنص الحوار… لأنقله إليكم غير منقوص… ولكن لم يسعني تسجيل حوار كان في المنام أو بين اليقظة والمنام…

على كل حال، فكأن  ما يلي هو الجزء الثاني مما دار بين شيخنا الجليل وبيني …

 

-        أحد شيوخ الأزهر يقول أنا مجرد موظف حكوميً؟ هل ترى أنه خانه التعبير… وأن مثل هذه التصريحات تساهم في الحط من تصور الناس عن مكانة الأزهر وقيمته؟

لا أدري ما الذي تقصده بقولك: موظف حكومي؟ إذا كنت تقصد أنه يعين من الرئيس، وأنه يتقاضى مرتبه من الدولة، وأن له وضعاً بروتوكولياً محدداً فهذا صحيح. أما إذا كنت تقصد أنه لا يتحدث إلا بإذن، ولا يستقبل ضيوفه إلا بعد استئذان، ولا يصرح إلا بتوجيه، ولا يوافق أو يعترض إلا بتنسيق مع الحكومة أو ممثليها، فهذا تنازل لا يقوم به إلا من فقد الثقة في نفسه ومن فقد مؤهلات المنصب أصلاً.

دعني أؤكد لك أن منصب شيخ الأزهر والمفتي ووزير الأوقاف هي في النهاية مناصب سياسية… والدعوات التي توجه لأى منهم لحضور بعض المناسبات الوطنية أو السياسية توجه لهم بحكم وظيفتهم لا بحكم أشخاصهم. وعلى من يكون في هذا المنصب أن يكون واضحاً تماماً في أولوياته… فولاؤه الأول يجب أن يكون لدينه ولعلمه الذي أؤتمن عليه، وولاؤه بعد ذلك يجب أن يكون لوطنه ودولته التي يمثلها، ولا يمنع أبداً أن يكون له ولاء لرئيس الدولة، فهذا مطلوب شرعاً على ألا يكون هذا على حساب دينه وكرامته. إنني أشعر بالخجل وأنا أكرر هذه المباديء البسيطة التي يعرفها أي مسلم فضلاً عن أن يكون في منصب ديني كبير، ولكن يبدو أن شهوة المنصب تنسي البعض هذه المسلمات، وتدفعه إلى تقديم تنازلات تخص كرامته الشخصية بشكل مشين. كرامة الأزهر من كرامة علمائه… ولو كنت شيخ الأزهر لما عملت فقط على أن أحافظ على كرامة شيخ الأزهر، ولكن أيضاً كرامة أصغر طالب علم أزهري.

 

-        مولانا ولكن هل يمكن عملياً أن يعترض شيخ الأزهر أو المفتي  على قرارات حكومية أو يتخلف عن تلبية واجبات بروتوكولية؟

بحكم الدستور المصري… الحاكم ليس مضطراً أن يأخذ رأي الأزهر في كل قانون يصدره مجلس الشعب أو قرار يصدره الرئيس. وهناك عشرات الفتاوى التي تصدر حتى الآن كل يوم تحرم ممارسات تقوم بها الحكومة، في إدارة صالات القمار أو توفير المشروبات الكحولية أو قبض فوائد الديون أو منع الحجاب أو إجبار المجندين على حلق اللحية وغيرها… ولا أدري لماذا يميل الناس إلى تصديق أن رجال الأزهر موالون للحكومة وأن مهمتهم إصدار فتاوى تجيز لهم ممارساتهم المخالفة للشرع… هناك أمور محل إجماع في الشريعة لا يملك عالم أزهري على مخالفتها، وهناك مسائل أخرى محل خلاف… ربما وجدت الحكومة مدخلاً لها من خلالها.

عندما أصدر الشيخ عبد المجيد سليم فتواه بتحريم الحفلات الراقصة التي يقيمها الملك في قصره، دعاه الملك فاروق لحضور صلاة الجمعة في مسجد قصر عابدين وهو القصر الذي أُقيم فيه الحفل الراقص، فذهب المفتي وجلس في المكان المخصص له، وقد رتب الملك أن يحرج الشيخ عندما يمد يده لمصافحته فيتركه دون أن يصافحه، لكن الشيخ عبد المجيد سليم هدته فطرته الإيمانية إلى عدم رفع يده، فغضب الملك و قال له الملك: ما الذي دعاك يا شيخ للفتوى ضدي؟ فأجابه الشيخ: المفتي إذا سُئل لابد أن يجيب ليعرف الناس الحق من الباطل، ولينتهي المبطلون إذا أرادوا، وإلا عرضوا أنفسهم لعقاب الله. المهم أن الشيخ لم يكتف بهذه المواجهة بل رفض بعد ذلك حضور الحفلات الرسمية التي يترأسها الملك، وكانت تأتيه الدعوة ولا يعتذر عن عدم الحضور. ومعني هذا أن يبقي المقعد المخصص للمفتي شاغراً، مما يسييء إلى الملك. وقد نبهه رئيس الديوان إلى خطأ هذا التصرف وإلى أهمية أن يعتذر مسبقاً، فرفض الشيخ وأجابه: إن موقفه قضية كرامة، وإذا اتصلت الكرامة بالبروتوكول، كانت الأولوية للكرامة، ولا بأس عليكم إذا لم توجهوا الدعوة إلى المفتي. ولم يملك الملك إلا الاعتذار للشيخ واسترضائه.

وبالرغم من أن كثيرين يصنفون الشيخ عبد الرحمن تاج بأنه من الموالين لنظام عبد الناصر، خاصة بعد فتواه الشهيرة ضد الرئيس محمد نجيب، إلا أن علينا أن نعترف بأفضال هذا الرجل على الأزهر، وحرصه على كرامته. وقد حدث أنه في أوائل عام 1957.. فوجىء الشيخ بقرار جمهوري بتفويض علي صبري في جميع صلاحيات رئيس الجمهورية فى كل ما يختص بالأزهر.. ورأى الإمام الأكبر فى هذا القرار مخالفة دستورية وقانونية للقانون رقم 26 لسنة 1936، ومحاولة لفرض وصاية وزير على المشروعية الإسلامية التي يحمل الأزهر أمانتها. وقرر الشيخ عبد الرحمن تاج ألا ينفذ قرار الوزير بإسناد منصب مدير إدارة الثقافة بالأزهر إلى الدكتور محمد البهى.. و كان الشيخ تاج نفسه يعتزم إسناد هذه الوظيفة للدكتور البهى، و لكن دفاعا عن كرامة الأزهر رفض عبد الرحمن تاج تنفيذ قرار علي صبري, و أصدر قرار بإلغاء إدارة الثقافة و إعادة الدكتور البهي إلى منصبه القديم أستاذا بكلية اللغة العربية, و لم ينجح علي صبري في فرض وصايته على الأزهر. وكان لابد من البحث عن حيلة لإبعاد الشيخ عبد الرحمن تاج من مشيخة الأزهر , و فى أول سبتمبر عام 1958, تم تكوين أول اتحاد بين مصر و سوريا و اليمن و صدر قرار بتعيين الدكتور عبد الرحمن تاج  وزيرا فى الوزارة الاتحادية على اعتبار أنه شخصية دينية كبيرة, و أن الأمام أحمد حميد الدين إمام اليمن فى ذلك الوقت يسعده بأن يكون بجوار شخصيه دينية كبيرة، و هكذا تم إبعاده عن الأزهر و ظل وزيرا حتى عام 1961 بعد الانفصال عن سوريا.

 

-        وماذا عنك يا مولانا… هل تعرضت لمواقف مشابهة وأنت في منصب الوزارة ؟

لا أخفيك سراً …. فرغم أن الرئيس السادات كان يهمه إرضائي إلا أن الست جيهان  لم تكن تستريح لي، والحقيقة أني أيضاً لم أكن مستريحاً لقربها من دوائر اتخاذ القرار. دعتني مرة لإلقاء محاضرة على مجموعة من سيدات المجتمع في مصر الجديدة، ولما دخلت وجدتهن جميعا سافرات بغر حجاب،  الحقيقة أن الحجاب لم يكن قد انتشر في مصر بالشكل الذي نراه الآن، ولكني وجدتها فرصة للانسحاب فغادرت القاعة فوراً ولم أفكر كثيراً في الحرج الذي وقعت فيه، وقد أخبرني الدكتور محمود جامع أنها أقسمت له:  أنا حاشيله من الوزارة وأبلغه ذلك على لساني. ولما بلغني الخبر قلت له: ومن قال إنني حريص على الوزارة، أو حتى  أريدها .. يا ريتهم يشيلوني منها النهارد قبل بكرة. ولم يعجبها أيضاً أني فصلت توفيق عويضة  من المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وأحلته إلى النيابة. وقد حاول السادات أن يسترضيني عندما عينني عضوا بمجلس الشورى في أول تشكيل له عام 1980. سأقول لك سراً لا يعرفه كثيرون.. هل تعلم أنني حتى هذه اللحظة لم أحلف اليمين.

 

هل صحيح أنها ضغطت عليك لتمرير قانون الأحوال الشخصية عم 1979 ولكنك رفضت؟

لا أقول إنها ضغطت… لا هي تقدر ولا كنت أنا سأسمح… ولكني أعتقد أن الست جيهان عندما كنت وزيراً حاولت أن تستخدم اسمي للترويج لقانون الأحوال الشخصية التي كانت تخطط له مع بعض سيدات المجتمع، والذي صدر عام 1979 بعد تركي الوزارة…فانتهزت فرصة حضوري حفل قران ابنة السادات من ابن عثمان أحمد عثمان، وأرادت أن تتودد لي، تمهيداُ لمفاتحتي في دعم القانون، فاقتربت مني، وكنت جالساً على طاولة الرئيس وقالت: ؟إزيك يا شيخ شعراوي؟ فرددت: الله يسلمك. وسألت: إزي بنتك؟ قلت: كويسة. فقالت: هي لسه بتخدمك؟ فرددت بنفس الاقتضاب: أيوه لسه بتخدمني (بعد وفاة زوجتي رحمها الله). سكتت السيدة جيهان لبرهة، قبل أن تعيد تحويل الحديث نحو ما جاءت من أجلها، فبادرتها بقوله: وحضرتك ما سألتنيش السؤال اللي ناقص. فقالت: وهو إيه؟ فقال: وطابخين إيه النهاردة؟! فلم يملك السادات وعثمان أحمد عثمان إلا أن ينفجرا في الضحك، فابتسمت بضيق، ثم انصرفت بعد أن قطعت عليها الطريق بظرف وأدب.

 

-        هل تربط هذا الموقف بإعفاءك من منصبك بعد أقل من عامين في الوزارة؟

لا زلت أذكر التاريخين جيداُ.  نوفمبر 1976م وكنت وزيراً الأوقاف وشئون الأزهر، وبعدها كان دائماً وزير شئون الأزهر هو رئيس الوزراء لأنه يصدق على قرارات شيخ الأزهر وهو في منصب يعادل رئيس الوزراء. وتاريخ نهاية الوزاة (التحرير) هو أكتوبر عام 1978م.  لم أصنع الكثير وأنا وزير، ولكني سعيد بأني  أول من أصدر قرارًا وزاريًا بإنشاء أول بنك إسلامي في مصر هو (بنك فيصل) مع أن هذا ليس من اختصاصاتي، لكن مجلس الشعب وافق على ذلك، وفي سنة 1987م كنت أسعد باختياري عضوًا بمجمع اللغة العربية (مجمع الخالدين.

عدم التجديد لي كان أمرأ متوقعاً، فلم أكن على نفس الخط مع توجهات الدولة، كما أني لم أجد نفسي في المنصب، وإنما كنت أجد نفسي أكثر في مجال الدعوة والتفسير.  المفاجأة لم تكن في عدم التجديد لي، فقد كان بقائي عامين في المنصب مدة طويلة جداً علي وعليهم، الغريب أن التغيير شمل رئيس الوزراء نفسه ممدوح سالم الذي شكل الوزارة لخمس مرات متتالية، وكان على وشك تشكيلها للمرة السادسة. لقد سألت السادات بعد ذلك عن أسباب عدم التجديد له مرة أخرى، بالرغم من أن أداءه كان جيداُ، قال ببساطة: أبداً الناس بتحب تغير. وطبعاً لم أقل له: لماذا يقف حب الناس للتغيير عند حدود رئيس الوزراء ولا يتعداه إلى شخص الرئيس. وكان الرئيس قد أمضى 8 سنوات في الحكم لا 26 سنة.

 

-        هناك كثيرين يأخذون عليك أنك عندما كنت وزيراً للأوقاف وقفت في مجليس الشعب وقلت عن الرئيس السادات إنه لا يسأل عما يفعل. وعندها انفعل الشيخ عاشور عضو المجلس، وتحدث إليك بما يسيء، فرددت عليه بغضب… هل لازلت ترى أن الرئيس لا يسأل عما يفعل؟

انظر يا بني… لكل واحد مهمة ومسئولية… ومن المهم أن نكون واعين لما نفعل وما نقول حتى لا نخلط الأوراق، ونبدل الأدوار أو نبحث عن بطولة زائفة. دور العالم أن ينصح ويعظ ويبين و ينبه ويذكر الناس باليوم الآخر… ودور الحاكم أن يتخذ القرار ويتحمل المسئولية. وإذا بذل العالم رأيه في النصح بإخلاص وتأكيد… وأصر الحاكم على رفضه فلا يمكن أن نلوم العالم… فحتى الرسل أنفسهم لم يطلب الله منهم أن يضمنوا أن تنجح دعوتهم في كسب كل الناس لصفهم، "وما على الرسل إلا البلاغ المبين"… أما أمر الاستجابة والهداية فهو في النهاية بيد الله، وإلا فلماذا خلق الشيطان وأمرنا بمخالفته؟!!

وهناك  أمر آخر يتعلق برأيي في مسألة الشورى… وهو رأي يختلف معي فيه كثيرون منهم الشيخ الغزالي، وأنا أعلم أن والدك من مدرسته، وكم تناقشنا في هذا الأمر… لكنه يبقى رأيي الذي أدين الله تعالى به… وهو رأي كونته منذ كنت طالباً في الثلاثينات… ولم أغيره حتى لقيت ربي… وخلاصته أن "الشورى معلمة"… بينما يرى آخرون أن "الشورى ملزمة"… ولكل فريق وجهة نظره وأدلته… وكلانا يرى أن الشورى "واجبة"… وأن الحاكم يأثم إذ لم يقم بها… فريق الشيخ الغزالي يرى أن على الحاكم أن يأخذ برأي الأغلبية التي شاورها، وأنا أرى أن الحاكم مسئول، وما دام قد قام بواجبه بإخلاص، وليس مجرد أداء شكليات وتسديد خانات، واستطلع آراء أهل الحل والعقد، فلا تثريب عليه إن خالفهم… فربما رأى ما لا يرون، وربما علم ما لم يعلموا… وهو في النهاية المسئول الأول والأخير عن قراره.  وهذا هو ما قصدته بقولي "لا يسأل عما يفعل"… وأذكر أني استخدمت في الجملة "لو كان الأمر بيدي"… ولو هو حرف امتناع الامتناع…  لا أريد أن أستعيد هذه الأحداث… ولكني لم أكن سعيداً بالانفعال الذي دار بيني وبين الشيخ عاشور، وكانت له مواقف مشابهة مع عبد الناصر والسادات ليسجل مواقف.. وهو ما دفعني لأن أسكته وأقول له: "أنا أعرف بالله منك، أنا أعرف بالله منك"… وقد طلبت منه أن يغفر لي انفعالي عليه بعدها… والله أعلم بالنوايا غفر الله لنا وله. 

 

-        وهل يعني هذا أنك لو كنت شيخ الأزهر لتركت الرئيس يفعل ما يريد دون نصح أو حساب أو عتاب؟

تسألني هل أترك الرئيس يفعل ما يريد دون نصح أو حساب أو عتاب؟ مستحيل. لو كنت متخذاً لي قدوة، لكان العز بن عبد السلام، في يوم العيد خرج موكب السلطان الصالح أيوب في شوارع القاهرة، والشرطة على جوانب الطريق والسيوف مشرعة، والأمراء يقبّلون الأرض بين يدي السلطان هيبة وأبهة، وهنا وقف العز بن عبد السلام وقال: يا أيوب؛ هكذا باسمـه مجردًا من الألقاب، فالتفت الحاكم ليرى: من الذي يخاطبه باسمه بلا مقدمات، ولا ألقاب؟ ثم قال له العزّ: ما حُجَّتُك عند الله - عز وجل - غدًا إن قال لك: ألم أُبَوِّئْكَ ملك مصر، فأبحت الخمور؟ فقال: أو يحدث هذا في مصر؟ قال: نعم، في مكان كذا، وكذا، حانة يباع فيها الخمر وغيرها من المنكرات، وأنت تتقلّب في نعمة هذه المملكة؟ فقال: يا سيدي، أنا ما فعلت هذا، إنما هو من عهد أبي. فَهَزَّ العز بن عبد السلام رأسه وقال: إذن أنت من الذين يقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) [الزخرف:22]، فقال: لا، أعوذ بالله، وأصدر أمرًا بإبطالها فورًا، ومنع بيع الخمور في مصر.

 

-        من العلماء من يرى أن المنكر إذا كان على الملاً فليكن الاعتراض عليه في العلن وعلى الملأ… وإذا كان في السر فليكن الاعتراض عليه سراً… ما رأيك يا مولانا؟

 أرى أنه كلما كان نصح الحاكم سراً كلما كان هذا أدعى لقبوله، حتى لا يركبه العناد، فالنصيحة على الملأ فضيحة،  والمهم أن يزول المنكر، لا أن نشتهر بين الناس بالجرأة والشجاعة… فربما رفع هذا قدرنا عند الناس، وحط منه عند الله، وباب الإخلاص ضيق، لا يدخل منه من أتخم نفسه بتصفيق الجماهير.. وسره عجيب لا يطلع عليه إلا الله،  حتى أن الملائكة لا تستطيع تسجيله وكتابته.. وأحياناً يكون السكوت أكثر جرأة وشجاعة

المزيد


حوار شامل مع الشيخ الشعراوي (1 /3)

نوفمبر 4th, 2007 كتبها  وائل عزيز نشر في , الأزهر الشريف

رأيت فيما يرى النائم أن الحاضر الغائب الإمام الشيخ الشعراوي زارني في المنام، وكأني تحدثت إليه وكأنه رد على تساؤلاتي بخصوص رأيه فيما استجد من أحداث بعد رحيله قبل أقل قليلاُ من عشر سنوات (انتقل مولانا الإمام في إبريل عام 1998) .. وقد حاولت طاقتي أن أحتفظ بنص الحوار… لأنقله إليكم غير منقوص… ولكن لم يسعني تسجيل حوار كان في المنام أو بين اليقظة والمنام…

على كل حال، فكأن  ما يلي هو ما دار بين شيخنا الجليل وبيني …

 

-        مولانا… نعلم أن شهادتك غير مجروحة، فقد طلقت المناصب بعد تجربتك مع وزارة الأوقاف، ورفضت منصب شيخ الأزهر بعد رحيل الإمام عبد الحليم محمود، وتفرغت للدعوة وتفسير القرآن الكريم. مولانا الإمام هل تسمح لي فضيلتكم أن نستطلع رأيك فيما جد من أحداث بعد رحيلك، وهل تسمح لنا أن تكون إجابتك فيما لو كنت شيخ الأزهر؟

يا بني لولا أني أحب الأزهر وأحب أباك فقد كان تلميذي في المعهد الأزهري… ولولا أنك بلدياتي من ميت غمر.. لما وافقت على هذا الحوار، فقد نهانا شيوخنا عن افتراض الأسئلة، فما بالك بافتراض المواقف. وليكن في علمك أن إجابتي لن تختلف سواء كنت شيخ الأزهر، أم مجرد عالم من علمائه. فالمناصب لم تغير عاداتي لتغير رأيي. و بئس عالم تغير رأيه تطلعاً لمنصب أو حرصاً على بقاء فيه. والأزهري يجيب عما يعرف من أحكام الشرع في ضوء علمه واجتهاده، لا في ضوء منصبه الحالي أو المنتظر. ثم لا تنسى يا بني أن شيخ الأزهر هو واحد من علماء الأزهر اختاره رئيس الجمهورية لتولي هذا المنصب السياسي. لا هو أكثرهم علماً ولا ينبغي أن يكون، ولا هو أكبرهم سناً ولا ينبغي أن يكون، ولا هو أكثرهم إنتاجاً ولا ينبغي أن يكون، ولا هو أتقاهم بالضرورة… ثم إن كبار العلماء لا يختارونه من بينهم، ولا توجد معايير محددة لاختياره تضمن أن يكون اختياره محل قبول من جموعهم. شيخ الأزهر الآن يختار من بين من يراهم ولي الأمر الأكثر قدرة على تحقيق سياسته تماماً كما يختار وزير الداخلية ووزير الخارجية ووزير الإعلام ورئيس المخابرات… المشكلة أنه يستطيع أن يرفد أياً من أصحاب هذه المناصب، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك مع شيخ الأزهر.

 

-        مولانا… ولكننا نقرأ في التاريخ أن الكثيرين من شيوخ الأزهر إما أنهم استقالوا من مناصبهم أو أقيلوا منها، فكيف تقول إن الرئيس لا يستطيع أن يقيل شيخ الأزهر؟  

هذه قصة طويلة… لا بأس من أن أختصرها لك… أول شيخ للأزهر كان اسمه الشيخ محمد بن عبد الله الخراشي المالكي (1656م ـ 1690م) …وهو  ينسب إلى قرية خراش في محافظة البحيرة… ومنذ هذا التاريخ تعاقب على هذا المنصب أكثر من 43 شيخاً للأزهر… معظمهم انتهى بهم الحال إلى الاستقالة أو الإقالة… خاصة في عهد أسرة محمد علي وبعد الثورة… وبعضهم تولى منصبه لشهور محدودة.. استقال الشيخ حسونة النواوي والشيخ الظواهري والشيخ المراغي، وبعد الثورة استقال الشيخ محمد الخضر حسين والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمد الفحام وأقيل الشيخ عبد المجيد سليم والشيخ عبد الرحمن تاج والشيخ حسن مأمون (وكنت أعمل مديراً لمكتبه)… وظل هذا المنصب عرضة لهذه التقلبات التي دفعت الكثيرين من كبار العلماء للهروب منه وتحاشيه… حتى تولى الشيخ عبد الحليم محمود  المنصب في عهد السادات خلفاً للشيخ محمد الفحام الذي استقال لكبر سنه عام 1973… ثم جاء نصر رمضان المجيد، وارتفعت أسهم الشيخ كثيراً عند السادات وعند المصريين… وطلب بتعديل وضع شيخ الأزهر في البروتوكول المصري وأن يكون بدرجة نائب رئيس جمهورية وألا يتم إقالته… وكان الشيخ شخصية قوية، ولم يكن يهدأ أو يستريح حتى يحقق ما يدعو ليه بمقالاته واتصالاته داخل مصر وخارجها، وخطبه التي كان يحضرها الآلاف، ولم يكن يهمه ما يمكن أن يعود عليه هذا الإصرار من مشاكل مع العديد من المتربصين به وبالأزهر… وتهرب السادات من هذا المطلب عدة مرات… ولكن الشيخ أصر وقدم استقالة مسببة، وأعلن عدم عودته عنها إلا بتطبيق الشريعة الإسلامية، ورفع مكانة شيخ الأزهر، بل اعتكف في بيته ورد سيارة المشيخة، ورفض تسلم مرتبه لمدة شهرين.. حتى استرضاه السادات، ودعاه إلى ميت أبو الكوم  حيث خطب الجمعة في مسجد القرية، واستجاب لطلبه إلا أنه قال له إنه سيجعل وظيفة شيخ الأزهر بدرجة رئيس وزراء مبدئيا، ثم طلب من د. صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب بتشكيل لجنة لتقنين قوانين الشريعة الإسلامية، و قد واصلت اللجنة عملها بعد رحيله وأتمت الكثير من التعديلات قبل وفاة السادات، وهي التعديلات التي طلبها والدك من الشيخ جاد الحق لمناقشتها في مجلس الشعب، وتهرب من عرضها على المجلس الدكتور رفعت المحجوب، لأن الله لم يأذن بعد بتطبيقها. رحم الله الشيخ عبد الحليم محمود كان شديدا في الحق، حتى أن السادات عندما أخبروه بوفاته وكان يرأس جلسة مجلس الوزراء . . قال بتلقائية – رغم أنه لم يكن يخفي إعجابه به- :الحمد لله ربنا ريحنا منه ومن طلباته في تعديل القوانين. وهكذا صدر قانون يمنع عزل أو فصل شيخ الأزهر، ولم يستفد منه الشيخ عبد الحليم محمود الذي رحل بعد صدوره بسنوات محدودة… لقد صدر القانون ليعطي شيخ الأزهر حصانة.. تجعله قوياً وصريحاً في إعلان رأيه… ولكن بعض شيوخ الأزهر اعتبروا القانون منحة من الحاكم، ومنة منه عليهم.. ورأوا أن من واجبهم رد الجميل لمن اختارهم لهذا المنصب الرفيع، ولو كان ذلك على حساب شرع الله وإجماع الأمة.

 

-        بهذه المناسبة يا مولانا… هل أنت مع تعيين شيخ الأزهر مع انتخابه؟

هذه المتاهة يريد من يرددها أن يشغب بها على دور الأزهر ويفقده مكانته. رأيي أن المعضل الرئيس ليس هو تعيين شيخ الأزهر أو انتخابه… فلا يضمن أحد أن يأتي الانتخاب بأفضل العناصر، كما أن تربيطات ما قبل الانتخاب يمكن أن تسيء إلى بعض المنتخبين وتخرجهم عن حيدتهم، وفيها من الغيبة ما لا يليق بمشايخ، ثم إن فكرة الانتخاب فيها معنى طلب الولاية، وكثيرون يترفعون عن الطلب ورعاً أو خجلاً وقد يكونون أحق بالترشيح من آخرين.. وكذلك نحن نعرف مساويء التعيين.. المهم ليس الأسلوب أو الوسيلة إنما المهم هو معايير الاختيار والصفات الشخصية لمن تم اختياره.. هناك شخصيات ضعيفة لا تصلح للمنصب حتى لو وصلت بالتعيين، وهناك شخصيات قوية تملاً مركزها، ويمكن ألا تصل إليه بالانتخاب.

 

-        عفواً مولانا… ولكن ألا ترى التعيين يحد من قدرة شيخ الأزهر على اختيار مواقف جريئة ضد من عينه؟

من قال هذا؟ هل تعيين القاضي يمنعه من أن يحكم بالعدل؟ وهل تعيين الوزير يمنعه من أن يعبر عن رأيه حتى لو خالف رأي رئيسه… كما قلت لك المهم هو قوة شخصيته ودرجة إيمانه بقضيته، وليس طريقة تعيينه… بل على العكس مما يظن كثير من الضعفاء… فإن إصرار العالم على موقفه غالباً ما يكون محل تقدير من ولي الأمر.. حتى ولو بادر بعزله والتضييق عليه..

أذكر أن الشيخ حسونة النواووي في عام 1899م رفض اقتراح رئيس النظار (مجلس الوزراء) مصطفى باشا فهمي بشأن إصلاح المحاكم الشرعية، وغادر الشيخ الجلسة غاضبًا محتجًا. وحاول الخديوي "عباس حلمي" أن يحمل الشيخ الإمام على قبول الاقتراح بعد تعديله، لكن شيخ الأزهر أصر على موقفه، وقال للخديوي: "إن المحكمة الشرعية العليا قائمة مقام المفتي في أكثر أحكامها، ومهما يكن من التغيير في الاقتراح، فإنه لا يخرجه عن مخالفته للشرع؛ لأن شرط تولية المفتي مفقود في قضاة الاستئناف". وبرغم أن الخديوي قد سارع إثر هذا الموقف بعزل الشيخ النواووي عن منصب الإف

المزيد


عن الأزهر أتحدث (3 من كثير)

أكتوبر 27th, 2007 كتبها  وائل عزيز نشر في , الأزهر الشريف

قلت إن تاريخ مصر يساوي تاريخ الأزهر، وإن تاريخ الأزهر يساوي تاريخ شيوخه. ولم أكن مبالغاً، وإنما كنت أختصر للقارئ الكريم خلاصة قراءة مستوعبة لأكثر من 1000 عام من الأحداث التي وقعت في بر مصر منذ  فتح الجامع الأزهر أبوابه للمرة الأولي للمصلين ليعلن للمصريين قدوم خلافة الفاطميين‏ في يوم الجمعة السابع من رمضان سنة‏361‏ هجرية- 971‏م (اسم الأزهر كان إشارة إلى السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها).

ولمن لا يعرف… فالأزهر الذي يعتبر أحد معاقل الفكر السني في العالم كله أقيم للترويج للمذهب الشيعي في مصر.. ولعل هذا هو السبب الذي أخر بداية الدراسة فيه حتى 365 هـ ليتم الفاطميون إحكامهم على مقاليد الأمور، بعد أن فشلت تجربة مشابهة في شمال إفريقيا قبلها بسنوات. ورغم مرور أكثر من ألف عام علي تلك البداية السياسية فلا يزال الأزهر يتنازعه تيارا الدين والسياسة‏,‏ بين شيوخ يبحثون عن دور يتخطي حدود المسجد الجامع‏,‏ وساسة يلجئون لغطاء الدين ليحللوا شئون السياسة التي لا تخلو من الشبهات‏. نظرة سريعة لمسيرة الأزهر الشريف تكشف أنه لم ينفصل يوما عن السياسة، كما أنها هي الأخرى لم تستطع أن تتجاهله. ومنذ إنشائه وحتى اليوم، ولسنوات كثيرة مقبلة ستظل علاقته بالسياسة شائكة، فقد افتتحه الفاطميون لنشر الفكر الشيعي، غير أن علماءه بمرور الوقت حولوه إلى دراسة الفكر السني ونجحوا في استصدار تعهد من جوهر الصقلي بحرية الدراسة فيه، قبل أن يتم بعد ذلك إنشاء المدارس المعتمدة وفق المذاهب الأربعة وتصميم الدراسة فيه وفق هذا التوجيه.

ولمن لا يعرف… فقد منع صلاح الدين الأيوبي الخطبة في الجامع الأزهر بعد أن استصدر فتوى (حكماً) من قاضي القضاة بأنه لا يجوز عقد الجمعة في مسجدين في بلد واحدة، فاكتفوا بالصلاة في مسجد عمرو بن العاص، وقطع عنه الأيوبيون كثيراً مما أوقفه عليه أسلافهم الفاطميون. وظل الأزهر محروماً من صلاة الجمعة نحو قرن من الزمان قبل أن يستعيد الجامع الأزهر عطف الولاة والأعيان، ولما جاء الملك الظاهر بيبرس قام بتوسعته وشجّع التعليم فيه وأعاد الخطبة إليه في عام 665 هـ، كأقل مكافأة لدوره الكبير في حشد المصريين لصد هجمات المغول قبل إيقافهم تماماً في عين جالوت.

ولمن لا يعرف… فقد دخل الأزهر عصراً جديداً حين أسقط المغول بغداد، والأسبان الأندلس، فأصبح الأزهر قبلة النازحين من الشرق والغرب بما استخلصوه من كتبهم التي نجت من التحريق هنا والإغراق هناك، وفتح الأزهر صدره لعلماء الإسلام فاكتسب صفة عالمية ضاعف من أثرها نجاح مصر في صد هجمات المغول والصليبيين بعدها، ومكافأة سلاطين المماليك للمصريين على ذلك بمضاعفة العناية بالأزهر والإغداق عليه بالمال والتأييد. ليصبح مسرحاً لبروز نجم أكبر عدد من الأعلام كالعز بن عبد السلام وابن الفارض والسيوطي والسهروردي وابن خلكان والبوصيري والبلقيني والقلقشندي والسبكي والحلي والدميري والمقريزي والعسقلاني وابن خلدون وابن بطوطة وابن عطاء الله وغيرهم كثير.

ولمن لا يعرف… ففي فترة تالية رأى سلاطين العثمانيين أن إضعاف الأزهر هو أسرع الطرق لكسر شوكة مصر وإضعاف هيبتها ونزعتها الاستقلالية، فنقلوا آلاف المخطوطات إلى القسطنطينية، وأرسلوا إليها عشرات العلماء والقضاة لتفريغ الأزهر من ثقله العلمي وكان لهم ما أرادوا، حتى أن الفترة من 1517 وحتى 1798  ظلت شبه خالية من أي نشاط علمي أو ثقافي ذي شأن. حتى قارن بعض المؤرخين التخريب الثقافي الذي ألحقه العثمانيون بالأزهر بالتخريب المادي الذي ألحقه المغول بدار الحكمة ببغداد.

ولمن لا يعرف… فبعد أن دخل نابليون مصر عام 1798م، لم يكن في مصر من أهل الحل والعقد ليفاوضوا نابليون سوي علماء الأزهر. وقد نجحوا في أخذ الأمان للمصريين من نابليون وجيشه فحموا مصر من مذابح هائلة.  وقد رأس الشيخ عبد الله الشرقاوي ديواناً من علماء الأزهر للإشراف على الحكم وإدارة شئون مصر، دون أن يكونوا عوناً للاحتلال كما هو الحال مع بعض المرجعيات الدينية العراقية الآن. وفي أكتوبر 1798 م اجتمع 80 شخصا في أروقة الأزهر تحت إمرة الشيخ محمد السادات الذي أسس «لجنة للثورة»، ثم أعلنوا عن قيام ثورة القاهرة الأولى. وقد نجح ثوار القاهرة الذين جعلوا من الأزهر مركزاً لانطلاقهم وتجمعهم في قتل حاكم القاهرة الجنرال ديبوي، وعدداً من أعوانه،  ثم أقاموا المتاريس والحواجز في سائر الشوارع والدروب المؤدية إلى الجامع الأزهر، وحاصروا الكولونيل سلكوسكي ياور نابليون الخاص وقتلوه، الأمر الذي  أثار نابليون فأمر بنصب المدافع على المقطم، لكي تطلق قذائفها على الأزهر. قبل أن يقتحموه اقتحام الضواري بخيولهم، واحتلوه في مناظر وحشية، غير مكترثين بحرمته الدينية والعلمية. وكان الشيخ الشرقاوي من القوة والمكانة بحيث أنه اتخذ قراراً جريئاً بإغلاق الأزهر في يونيو 1800م احتجاجا على دخول الفرنسيين للأزهر، وحماية لطلبته، وظل الأزهر مغلقاً أكثر من عام في أطول اعتصام ديني مفتوح حتى أعاد هو نفسه افتتاحه في أكتوبر عام 1801 بعد خروج الفرنسيين من مصر، في يوم اعتبره الأزهريون عيداً.

ولمن لا يعرف… فإن شيوخ الأزهر هم الذين أتوا بمحمد علي حاكماً علي مصر عندما أصبحت بلا حاكم حقيقي واشتعلت الثورات بها بعد رحيل الاحتلال الفرنسي ورغم محاولات محمد علي المتعددة للتخلص من علماء الأزهر الذين أوصلوه للحكم‏,‏ فإن جيلا آخر من شيوخ الأزهر أعلن الكفاح ضد غطرسة أبناء محمد علي فكانت الثورة العرابية التي أسهم فيها شيوخ الأزهر من أمثال رفاعة الطهطاو

المزيد


عن الأزهر أتحدث (2 من كثير)

أكتوبر 22nd, 2007 كتبها  وائل عزيز نشر في , الأزهر الشريف

أزهريون

نبه أبو مروان بن حيان أحد مؤرخي عصر الطوائف في الأندلس (القرن الثامن الهجري) إلى التحالف المشبوه بين الأمراء والفقهاء للخروج على أحكام الدين وتأييد الظلم والفساد.. وكان مما قال: " ولم تزل آفة الناس منذ خلقوا في صنفين كالملح: الأمراء والفقهاء. وقد ابتلانا الله من أوجاج صنيعهم بما لا كفاية له، ولا مخلص منه، فالأمراء القاسطون قد نكبوا عن منهج الطريق بعيداً عن الجماعة، وجرياُ إلى الفرقة. والفقهاء أئمتهم صموت عنهم، صدف عما أكده الله عليهم من التبيين لهم، قد أصبحوا بين آكل من حلوائهم، وخابط في أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم آخذاً بالتقية في صدقهم".

وكتب الإمام ابن حزم رسالة سماها "التلخيص لوجوه التلخيص" كأنه كتبها هذا الصباح لا من ألف عام قال فيها: "فلا تغالطوا أنفسكم، ولا يغرنكم الفساق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزيفون لأهل الشر شرهم، الناصرون لهم على فسقهم".

******

قال إبراهيم بن أدهم:

"كل ملك لا يكون عادلاً فهو واللص سواء،

وكل عالم لا يكون تقياً فهو والذئب سواء،

وكل من ذل لغير الله فهو والكلب سواء."

وقيل لمالك إنك تدخل على السلطان وهم يظلمون ويجورون، فقال يرحمك الله، فأين المتكلم بالحق.

وقال ابن المبارك: من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه ومن استخف بالإخوان ذهبت مرؤته.

والعالم الحق يقول للسلطان كما قال سحرة فرعون لفرعون: "فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا". أما من رضوا أن يكونوا أبواقاً للسلاطين، فحسبهم قول الحسن البصري في وصفهم: "إن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البرازين فإن ذل المعصية في وجوههم. أبى الله إلا أن يذل من عصاه".

******

حين توالت أنباء الهزائم المصرية في حروبها مع الحبشة، أشار شريف باشا على الخديو إسمماعيل أن يجتمع نخبة من كبار علماء الأزهر ثم يتلون بشكل جماعي البخاري أمام قبة الأزهر، ففعلوا. لكن أخبار الهزائم ظلت متصلة’ الأمر الذي أثار حنق الخديو فذهب إليهم ثائراً وقال: "إما أن الذي تقرأونه ليس صحيح البخاري، وإما أنكم لستم العلماء، فإن الله لم ينفع بتلاواكم شيئاُ". وأسقط في يد العلماء. وما هي إلا لحظات حتى استطال برأسه من خلف العلماء شيخ شاب، رفع صوته موجهاً كلامه إلى الخديو: " أنت سبب الهزائم يا إسماعيل. فقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لتأمرن بالمعروف ولتنهوون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم". فوجم الخديوي، وخفض رأٍسه ثم انصرف ولم ينطق بكلمة.

******

وزار السلطان العثماني عبد العزيز مصر، وطلب زيارة الجامع الأزهر، فرافقه في الزيارة الخديوي إسماعيل. وكان قد تم التجهيز للزيارة بشكل جيد بحيث إذا مر السلطان على أحد الدروس والحلقات توقف الدرس، ثم وقف الشيخ وطلبته مرحبين بالخديوي وضيفه. غير أن أحد الشيوخ وكان مصاباً في رجله ظل على جلسته وقد مد رجله أمامه، واستمر في إلقاء درسه رغم مرور الضيوف. ويبدو أن السلطان قد أعجبته هذه الثقة من الشيخ فعهد إلى أحد مندوبيه بعد انصرافه بأن يدفع إلى الشيخ صرة من المال.

قابل رسول السلطان الشيخ وسأله: لماذا لم تقم لمولانا؟ فقال الشيخ بهدوء: إن مجلس العلم يحضره الله تعالى فكيف أفارقه لاستقبال عبد من عباده؟ قال الرجل: هذه هدية بسيطة من مولانا. فردها الشيخ وقال بحزم: اشكر مولاك وقل له الشيخ يقول: إن الذي يمد رجله لا يمد يده.

******

وكان الشيخ المراغي في منزله بحلوان مع جمع من تلاميذه من مشايخ الأزهر الشريف عندما انضم إليهم جماعة من الباشوات. فلما جلسوا نادى الشيخ على أحد الباشوات قائلاُ: يا فلان (هكذا بدون لقب) قم

المزيد


عن الأزهر أتحدث (1)

أكتوبر 22nd, 2007 كتبها  وائل عزيز نشر في , الأزهر الشريف

 

لماذا بكيت؟

هل ثمة أصدق من رأي الناس؟

قالوا: نحن نثق في قناة "الناس" الدينية أكثر من ثقتنا في مؤسسة الأزهر.

قالوها فبكيت. بكيت لحال الأزهر وبكيت لجهل الناس ما هو الأزهر.

أحب قناة الناس وأجل شيوخها أزهرييين وغير أزهريين، وهي المفضلة عندي فوق عشرات القنوات الأخرى، ومع ذلك بكيت. بكيت لحال الأزهر الذي قال عنه شوقي قبل ثمانين عاماً

قم في فم الدنيا، وحيّ الأزهرا               وانثر على سمع الزمان الجوهرا

واخشع مليًّا، واقض حق أئمة                طـلعوا به زُهرا، وماجوا أبحرا

كانوا أجـل من الملوك جلالة               وأعـز سـلطانًا، وأفخم مظهرا

…….

هزوا القرى من كهفها ورقيمها              أنتم -لعمر الله- أعصاب القرى

الغـافـل الأمي ينطق عنكمو               كـالببّغـاء مـرددًا ومكـررا

لو قلتم: اختر للنيـابة جاهـلا              أو للخطـابـة باقـلاً لتخـيرا

و قال عنه الزعيم الهندي المسلم مولانا أبو الكلام آزاد: "إذا كان للمسلمين قبلة يتجهون إليها في صلواتهم كل يوم خمس مرات وهي الكعبة، فإن للمسلمين قبلة أخرى يتجهون إليها في كل وقت.. وهي الأزهر".

وعندما قام الشيخ عبد الحليم محمود بزيارة إلي دولة باكستان قرر رئيس الجمهورية في ذلك الوقت أن يستقبله علي سلم الطائرة، وعندما قال له المسئولون إن النظام أو البروتوكول الدبلوماسي يحدد أن يستقبله وزير من الوزراء أو رئيس الوزراء علي الأكثر، وأن رئيس الجمهورية لا يستقبل إلا الرؤساء أو الملوك، فأجاب رئيس جمهورية باكستان في ذلك الوقت: إن الملوك والرؤساء كثيرون يملئون العالم كله, أما الأزهر الشريف فإنه أزهر واحد وشيخه الجليل هو شيخ واحد وهو عندي في مكانة أفضل.

في أوائل عام 1955.. تلقى الإمام الأكبر الشيخ عبد الرحمن تاج (1896- 1975) شيخ الأزهر دعوة رسمية من الرئيس أحمد سوكارنو رئيس دولة أندونيسيا لزيارتها، والمشاركة فى احتفالها بعيدها القومي.. وفى الوقت نفسه سافر وفد للحكومة المصرية برئاسة قائد الجناح جمال سالم وأبرز قيادات ثورة 23 يوليو. سافر الوفدان على متن طائرة واحدة وكان من الطبيعي أن تهبط الطائرة في كراتشي بباكستان "ترانزيت".. وهناك تم استقبال الشيخ عبد الرحمن استقبالا شعبيا ورسميا رائعا وطوقوا عنقه بالورود , وتم تجاهل جمال سالم ووفد الحكومة الرسمي.. وهاج جمال سالم وطلب أن يعود شيخ الأزهر [لى القاهرة دون أن يكمل الرحلة.. ولكن الإمام عبد الرحمن تاج رفض رفضا قاطعا واستمر في الرحلة.. واستمرت الاستقبالات الهائلة له عندما وصل إلى أندونيسيا. فأسرها الصاغ جمال في نفسه وتحين أقرب فرصة للرد، وتم إقالة الرجل من منصبه بعد سلسلة من المضايقات.

وصلى صحفي مصري الجمعة في "رانجون" عاصمة بورما فلما فرغ من صلاته بحث عن حذائه فلم يجده. فلما بحث هالته المفاجأة… لقد عرف المصلون الذين صلوا معه أنه من مصر بلد الأزهر، وبما أنه من مصر فلابد أن يكون حذاؤه قد مس تراب الأزهر. هذا الحب الجارف للأزهر جعل الناس يتخاطفون الحذاء ويتبركون به في نوبة عاطفية جعلت الصحفي المصري يبكي من شدة التأثر.

ست حقائق عن الأزهر الشريف

1.      الأزهر –تاريخياً-  هو برلمان للناس، و هو ترمومتر الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر رضاً وسخطاً، وهو ميزان الحق والاستقرار. لعلمائه هيبتهم لدى الحكام، ومكانتهم لدى الشعب.. على تباين في لعب هذا الدور قوة وضعفاً على مدار تاريخ الأزهر الذي امتد لأكثر من ألف عام…‏ ولم يخل عصر من صقور وحمائم، ونهضة الأمة الإسلامية عبر تاريخها مرتبط بشكل العلاقة الجدلية بين علمائها وأمرائها. فإن كان العلماء صقوراً كانت الأمة أسداً هصوراً، وإن كان العلماء حماماً وحيات وأفاعي كال لها الأعداء من كل جانب.

2.      أنجب الأزهر عشرات من رموز ال

المزيد