هل انتشر الإسلام بالسيف؟ السؤال الخطأ والإحابة الخطأ

أغسطس 4th, 2007 كتبها  وائل عزيز نشر في , الإسلام السياسي, الجهاد الإسلامي, الفقه الأصغر .. والفقه الأكبر

خلاصة ما ذكرته في الحلقات الماضية أن الدفاع عن النفس والعرض والوطن والحق وإعلاء شأن القيم العليا فطرة وغريزة جلب الله الناس عليها… من أجل عمارة الكون. تماماً كما فطرهم على غريزة الطعام حتى تبقى الحياة، وعلى غريزة الجنس حتى يبقى النسل، وعلى غريزة الاتصال باللغة حتى يبقي الود والتعارف والتعاون المشترك…

 

وتحتاج هذه الغرائز إلى تنظيم حتى لا تصبح الأمور فوضى، ويتأثر الفرد والمجتمع والدولة… وإذا كانت تنظيم غرائز التواصل والطعام والشهوة واضحاً في أذهان كثيرين لاحتياجهم اليومي لها، فإن تنظيم غريزة الأمن قد أصابه اضطراب بالغ لتعطله لفترات طويلة، ولتعقد آلياته واختلاف مصالح أطرافه المختلفة.

 

لا أود أن أستطرد في ذكر أوجه التماثل بين هذه الغرائز.. ولكن أشبر فقط إلى فكرة أن الكثير من أعمال العنف التي نراها اليوم من المسلمين… هي مثل علاقات الجنس خارج نظام الزواج… وبالتالي فإن أي تجريم لها أو دعوة إلى ضبطها ينيغي ألا يفهم باعتباره تعطيلاً لفريضة الجهاد… بل دعوة لتطبيقها. كما لا يفهم بأن الإنكار على العلاقات الجنسية المنحرفة هو تنكب على الغريزة، وإنما دعوة لوضعها في إطارها الشرعي.

 

وأحياناً ما يكون السؤال مضللاً أكثر من الإجابة… والسؤل المضلل الذي أشير إليه هنا هو: هل انتشر الإسلام بحد السيف؟ وهو سؤال خبيث لأن كلتا الإجابتين بنعم أم لا ليست في صالحنا كمسلمين، كما أنها لا تكفي لشرح موقف الإسلام الحقيقي من الجهاد. إنه سؤال مثل: هل كان الرسول صلى الله عليه وسلم شافعياً أم مالكياً؟ أو كسؤال: أيهما جلب السلام للفلسطينيين: خارطة الطريق أم المبادرة العربية؟ نعم: كما توجد أجوبة خاطئة أو باطلة هناك أيَضاً أسئلة خاطئة أو باطلة ومنها هذا السؤال.  

السؤال خبيث لأننا إذا قلنا: نعم انتشر الإسلام بالسيف وعددنا أدلة ذلك وبراهينه، وتحدثنا عنه بفخر… كنا متناقضين مع قولنا إن الإسلام يدعو إلى الحوار والرحمة وعدم إكراه الناس على تغيير معتقداتهم، وكنا معتدين وإرهابيين أمام العالم الذي من حقه أن يتحالف جميعاً ضد أطماعنا التوسعية، ورغباتنا التدميرية.. ولو قلنا إن الإسلام انتشر بالقدوة الحسنة وإنه يعلي من شأن تصحيح علاقة الفرد بربه ولا علاقة له بالدولة والمجتمع والنظام، لأصبحنا نقدم أوطاناً لقمة سائغة للطامعين… الذين سيطلبون بلادنا مع تعهدهم بالمحافظة على الشعائر الدينية ولن يحولوا بيننا وبين مساجدنا وحسينيناتنا وحلقات ذكرنا ودروسنا الدينية..

 

الإجابة الخطأ رقم 1: نعم انتشر الإسلام بالسيف..

( الأفكار التالية منتشرة على المواقع السلفية وعلى المواقع القبطية على حد سواء… كأن الإخوة الأقباط يقولون لنا هذا هو دينكم من كلامكم:)

……

إن الإسلام ليس مجرد خليط من العقائد الكلامية، وإنما يجب أن يتحول إلى نظام ودولة، ويجب أن يواجه الواقع البشري بجدية وحسم، وبرغم أنه يواجه الفكرة بالفكرة ويقرع الحجة بالحجة، إلا أن

المزيد


قراءة في تطور الجماعات الإسلامية (4)

سبتمبر 14th, 2006 كتبها  وائل عزيز نشر في , الإسلام السياسي

ظلت ظاهرة الجماعات الإسلامية في مصر تتنامى في الثمانينيات والتسعينات، حتى أحصى الباحثون أكثر من 34 تنظيماً مختلفاً أوصله البعض إلى 46 يعمل في مصر، فيما وصل البعض بعدد التنظيمات الإسلامية في العالم إلى 92 تنظيماً، وإذا أضفنا الخلايا العنقودية التي تنشأ وتختفي في العراق بعد الغزو الأمريكي فيمكن أن نرتفع بالرقم إلى 150 تنظيماً. شكراً يا سيد بوش، والشكر موصول أيضاً للسيد شارون.

 

 لا يجمع  هذه الجماعات إلا العداء المستحكم لجميع أنظمة الحكم العربية، والاتهام الدائم لعلماء الدين الرسميين بأنهم صنيعة الحكام، والإيمان المطلق بالعنف وسيلة وحيدة  للتغيير، ومخالفة الإخوان المسلمين في توجهاتهم التي وصفوها بالإرجائية، وهم مع ذلك ليسوا على قلب رجل واحد، فمنهم من يكفر مخالفيه، و منهم من لا يصلي خلف إمام من جماعة أخرى، كما أدى ما بينهم من اختلاف في الرؤى والأولويات إلى تدبير حوادث الاغتيال لبعضهم البعض. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

برز من هذه الجماعات:

-        الجماعة الإسلامية، وقد عرضنا منذ قليل نبذة عن نشأتها.

-        تنظيم الجهاد الذي كان أول ظهوره الكبير في حادث المنصة حيث قتل السادات ثم القبض على رموزه .. ومنهم عبود الزمر وأيمن الظواهري وعمر عبدالرحمن. وإليه ينسب الصراع الشهير بين إمارة الأسير (عبود الزمر)، وإمارة الضرير (عمر عبد الرحمن). وقد انضمت معظم كوادر التنظيم خارج مصر إلى تنظيم القاعدة، بعد تحالف الظواهري مع أسامة بن لادن عام 1998. وتأسيسه "الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين" عام 1998 واعتباره أن الخطر الداهم على الإسلام ليس الأنظمة القريبة وإنما التحالف الصهيوني الأميركي، وأن فرض الوقت هو المواجهة مع أميركا واليهود وليس المواجهة الداخلية مع الأنظمة الداخلية، وهو ما ترك المجال الداخلي أيضاً بشكل كبير للإخوان المسلمين.

-        جماعة الشيخان، عصام ابراهيم الضوى ونسيم التابعي.

-        جماعة " السماويين " وأميرها طه السماوي .. الشهير بعبدالله السماوي.

-        تنظيم " الشوقيون " ومؤسسها ( المهندس شوقي الشيخ ) وتجمع بين فكر الجهاد والتكفير.

-        جماعة الفرماوية، وهم من أتباع الشيخ علي الفرماوي.

-        جماعات "التكفير والجهاد معاً" و "الناجون من النار" و "لقطبيون" و "التوقف والتبيين".

-        "طلائع الفتح" أو "الجماعة الاسلامية" أو .. أو .. وغيرها كثير من عشرات الجماعات الصغيرة الأخرى التي نشأت وتعيش بدون تنظيم أو هيكل.

 

******

المزيد


قراءة في تطور الجماعات الإسلامية (3)

سبتمبر 14th, 2006 كتبها  وائل عزيز نشر في , الإسلام السياسي

في اليمن، كانت تفاصيل المشهد مختلفة….

 

فمنذ بداية الثمانينات، سجل مئات من اليمنيين أنفسهم للذهاب إلى أفغانستان طلباً للشهادة، خاصة مع الدعم المادي الذي كانوا يحصلون عليه عند ذهابهم إلى أفغانستان، وقد ذهب الكثير منهم تحت سمع وبصر الدولة التي كانت تشجع الشباب اليمنيين للانخراط في صفوف المجاهدين متوخية البحث عن مصادر جديدة للتمويل كانت بحاجة إليها، خاصة من المملكة العربية السعودية وغيرها من الدول الإسلامية.

 

ولم يقتصر دور الشيخ الزنداني على تنظيم الشباب الراغبين في الداخل، بل كان له دور تحريضي مباشر بالقرب من أرض المعارك في بيشاور، و شارك اليمنيون في الحرب بشجاعة وإخلاص وحمية، وكانت الجثث التي تصل إلى اليمن يجري دفنها وسط تظاهرات جماهيرية حاشدة تؤكد استمرار القتال ضد الوجود السوفييتي على الأراضي الأفغانية، على الرغم من أن الاتحاد السوفييتي كانت تربطه علاقات جيدة مع الجمهورية العربية اليمنية (شمال البلاد) قبل إعلان دولة الوحدة.

 

في جنوبي البلاد بدا الوضع مختلفاً فالحكومة هناك التي كان يقودها الحزب الاشتراكي اليمني الموالي لموسكو كانت ترفض فكرة تشجيع شبابها للجهاد في أفغانستان، بل وكانت تقف إلى جانب نظام الرئيس الأفغاني بابراك كارمال، وتنشر أخباراً عن صموده ضد المجاهدين، و كان ذلك بسبب الارتباط بالمعسكر الشرقي الذي كان يدعم النظام الأفغاني، ويرفض فكرة التدخل في شئونه الداخلية بحسب مفهومه.

 

وعلى الرغم من هذا السياج الذي فرضته الدولة في الجنوب على شبابها للالتحاق في صفوف المجاهدين، إلا أن العشرات منهم استطاع أن يفر من الجنوب إلى شمالي البلاد ويلتحق بصفوف المجاهدين في أفغانستان، ثم بعد ذلك بدأت تتشكل خلايا للجهاد اليمني على الأراضي الأفغانية كان من أبرز قادته الشيخ طارق الفضلي، نجل ناصر الفضلي، آخر سلاطين قبائل المراقشة، وهو شاب صغير السن فر من اليمن مع أسرته وهو طفل عام 1967م بعد أن نال جنوبي اليمن استقلاله عن بريطانيا، و لقي دعماً كبيراً من الشيخ عبدالمجيد الزنداني.

 

بعد دخول المجاهدين الأفغان إلى كابول وإسقاط النظام الموالي لموسكو فيها عاد المئات من اليمنيين إلى بلادهم، واندمج الكثير منهم في المجتمع وجرى التعامل معهم بشكل طبيعي، ويعتقد الكثير من المراقبين أن اليمن كانت من الدول القليلة التي تمكنت من استيعاب أبنائها العائدين من أفغانستان وإدماجهم في المجتمع، حيث تقبلهم المجتمع بشكل طبيعي، خاصة وأن عدداً منهم ترك مفهوم الجهاد ضد الدول والحكومات العربية التي تربى عليه البعض في أفغانستان، غير أن البعض منهم فضل البقاء في أفغانستان، بخاصة أولئك الذين ربطتهم مصالح مادية وغيرها مع الفصائل الأفغانية.

 

وقد اتخذت الحكومة وسائل ذكية للتخلص من خطر "أفغانها العائدين"، تمثلت الأولى في التخلص الجسدي من بعضهم أثناء الحرب وبعد الحرب، من أمثال أبو رأسين، أو تقليم أظفار الناشطين الصاعدين مثل أبو الحسن المحضار زعيم جيش عدن الإسلامي، والثانية عن طريق إدماجهم في الحياة السياسية، مثل الشيخ طارق الفضلي، الذي عين عضواً في اللجنة الدائمة (لجنة مركزية) للمؤتمر الشعبي العام الحاكم، ورئيساً لمصلحة شؤون القبائل في مسقط رأسه (محافظة أبين) مقابل تفكيك المعسكرات التي كانت تحتضن مجموعته في كل من المراقشة وحطاط في أبين.

 

******

وخلال هذه الفترة ظهرت بوادر تحول في تفكير تنظيم الجهاد المصري، فبعد أن كان يرى أن كافة عملياته يجب أن توجه ضد عدوه الأساسي وهو النظام المصري، بدأ يروج لفكرة أن أي أرض حل بها، ويوجد فيها من يتصور أنه حكم غير إسلامي، وجبت عليه فريضة الجهاد، عن طريق تقويض سلطة الحكومات القائمة.

المزيد


قراءة في تطور الجماعات الإسلامية (2)

سبتمبر 14th, 2006 كتبها  وائل عزيز نشر في , الإسلام السياسي

كان الأمر مختلفاً مع جماعة التكفير و الهجرة (جماعة المسلمين) التي ظهرت على يد "شكري مصطفى" في بداية السبعينات، ثم ضبطت عناصرها عام 1974، عندما اغتالوا الشيخ الذهبي رحمه الله. وقد ظهرت أفكار هذه الجماعة كنبتة ضالة عديمة الجذور، تعتمد على الكاريزما الشخصية لشكري مصطفى وشطحاته كما ظهرت في كراسته التي أسماها "التوسمات"، وكانت كمعظم الجماعات السرية تلف أفكارها غموض الهدف، وراديكالية التطبيق. 

 

وبعد إعدام شكري مصطفى قام رجل يدعى محمد الأمين عبدالفتاح وكنيته "أبو الغوث" بتجميع البقايا الشاردة من الجماعة، وتمكن على مدى سنوات من العمل السري أن ينصب نفسه إماماً لجماعة المسلمين ويديرها ويجند لها الأتباع حتى انضم له المئات في مصر وخارجها ممن آمنوا بفكرة "المفاصلة الشعورية" و "اعتزال المجتمع"..

 

لكن الأمر لم يدم لأبي الغوث طويلاً مع ظهور شاب نابه هو الدكتور وحيد عثمان، فبدأ الأتباع في اكتشاف الأخطاء الشرعية والسلوكية في تصرفات إمامهم، واجتمع المؤسسون للجماعة واتخذوا قرارهم الخطير بإعلان عزل وتكفير إمامهم أبو الغوث، وأعلنوا مبايعة الدكتور وحيد عثمان إماماً لجماعة المسلمين في أنحاء الارض، وطلبوا من جميع الأتباع إعلان السمع والطاعة له.


نادى وحيد عثمان أتباعه إلى الهجرة الداخلية واعتزال مجتمع الكفر، لأنه بيئة غير صالحة بالنسبة لأعضاء التنظيم. تأسياً بالرسول صلى الله عليه وسلم، من أجل تأسيس مجتمع جديد أو بديل، على غرار مجتمع يثرب، وبالفعل أقدمت مجموعات كبيرة على ترك وادي النيل والهروب إلى الصحراء أو إلى مكان محدد يقتصر على أفراد الجماعة، وهي الفكرة التي تلقفها ونظر لها ومارسها الشيخ عبد الله السماوي مع جمع من أتباعه، ومن أجلها كانت المناظرة بينه وبين الوالد الشيخ رحمه الله تعالى في حضور الشيخ عطية صقر.

 

وقد جسد يحيي هاشم - الذي أفرد له الظواهري صفحات مطولة في كتابه "فرسان تحت راية النبي" -هذا الاتجاه في تحركاته، وكان هاشم يعمل وكيلا للنيابة قبل أن يترك وظيفته بدعوى أنها حرام شرعا إثر انضمامه إلى جماعة شباب محمد، ولجأ بعدها إلى هضبة البحر الأحمر المواجهة للمنيا يحتمي بها، ويعد عدته للصدام المسلح

المزيد


قراءة في تطور الجماعات الإسلامية (1)

سبتمبر 14th, 2006 كتبها  وائل عزيز نشر في , الإسلام السياسي

يحكي السيد حسن طلعت المسئول عن الأمن السياسي في عهد عبد الناصر – قبل ابتكار مصطلح مباحث أمن الدولة- أنه بعد حرب عام 67 بدأ النظام الحاكم في مصر في الإفراج المتوالي عن المعتقلين السياسيين، وأنه لم يأت عام 1970 وإلا وقد تم الإفراج عن عدة آلاف منهم. ويؤكد هذا المعنى اللواء فؤاد علام وكيل مباحث أمن الدولة في عهد السادات الذي يقول إن عدد المعتقلين من الإخوان ومن انشق عليهم من الجماعات فيما بعد عند وفاة عبد الناصر كان 118 معتقلاً على وجه التحديد.

 

وكان السيد حسن طلعت حسب روايته يتردد شخصياً على المعتقلات من وقت لآخر لإجراء حوارات مباشرة مع المعتقلين، لقياس مدى التطور في آرائهم تمهيداً للإفراج عن البعض منهم، ويحكي أنه توجه في عصر أحد الأيام من شهر رمضان عام 1970 إلى معتقل طرة، وجلس مع المعتقلين في فناء المعتقل يتحدثون في موضوعات شتى، وفجأة وقف شاب صغير ملتح ووجه الحديث إليه قائلاً: إنه سيقتله عندما يخرج من المعتقل. انتهى الاجتماع وقاموا لأداء صلاة العصر جميعاً ثم انصرف كل لشأنه، وقد نسي ما حدث. لكن التاريخ لم ينس أن يسجل أن هذا الشاب هو شكري مصطفى قائد جماعة التكفير والهجرة التي شاركت في حادث الفنية العسكرية، ثم تورطت في اغتيال المرحوم الشيخ الذهبي. وقد قبض عليه فيما بعد ونفذ فيه حكم الإعدام.

 

وقد مثلت واقعة القبض على سيد قطب وإعدامه مع عدد من إخوانه عام 1965 نقطة فارقة في تاريخ الحركات الإسلامية. فلم تعد جماعة الإخوان المسلمين هي الحركة التي أنشأها حسن البنا، وإنما تطورت في صورتها الفكرية واجتهاداتها الحركية, بحيث أصبح على الشباب ذي التوجه الإسلامي داخل السجون وخارجها أن يختار بين منهجين متباينين، منهج: "دعاة لا قضاة" المنسوب إلى مرشد الإخوان حسن الهضيبي عام 1971، أو منهج "معالم في الطريق" التصادمي حسب ما عرضه سيد قطب في كتابه الأشهر، الأمر الذي تحول بالتيار الحركي الإسلامي إلى تعددية فكرية عريضة.

 

******

وربما يكون مفيداً في هذا السياق، أن نعود بالمشهد إلى إرهاصاته الأولى حين تولي السادات الحكم بعد وفاة عبد الناصر المفاجئة عام 1970، وصولاً إلى مقتله على يد أفراد من الجماعة الإسلامية الذين ينظر إليهم اليساريون باعتبارهم صنيعته.  حيث يرى "دكمجيان" في كتابه: "الأصولية في العالم العربي" أن منتصف السبعينيات شهد اتباع السادات لسياسة ذات ثلاثة اتجاهات في المجال الإسلامي:

 

-        استرضاء "مؤسسة الإسلام الرسمية" الممثلة في جامعة الأزهر والمساجد الحكومية الكبيرة، وذلك لدعم تأييد القيادة الإسلامية في مصر. وهو ما يفسر المكانة المتميزة والحريات الواسعة التي منحت للشيخ عبد الحليم محمود، ثم المغامرة بتعيين الشيخ الشعراوي وزيراً للأوقاف بشعبيته الجارفة، ثم قرب وزراء الأوقاف من أمثال عبد المنعم النمر وزكريا البري من دوائر صنع القرار السياسي.

-        استرضاء "الإخوان" لتحييد المعارضة الأصولية، واستغلال قوة الجماعة التنظيمية ضد الناصريين.  وهو ما يفسر المنصب الذي تولاه الأستاذ عمر التلمساني، وهو منصب رئيس المؤتمر الدائم للجماعات الإسلامية. وهو أمر لم يطل طويلاً، إذ سرعان ما عاد إلى اتهام الإخوان بالعمل السري، وتحريض الشعب ضد حكمه، والوقوف ضد قراراته بالسل

المزيد


المراجعات: أو بين الإخوان والجماعات

سبتمبر 14th, 2006 كتبها  وائل عزيز نشر في , الإسلام السياسي

في سبعينات القرن الماضي استطاع التيار الجهادي أن يحجم الوجود الإخواني بشكل كامل في الصعيد واستأثر لنفسه باسم الجماعة الإسلامية التي كان ينشط داخلها الجسد الطلابي الإسلامي قبل أن يسطو الإخوان على قطاع هام منه عبر صفقة تمت بليل دون علم أو مشاورة بقية القيادات الطلابية في الجماعة الإسلامية، والتي كانت تنظر لنفسها على أنها تيار مستقل عن أية تيارات أو أفكار خارج أسوار الجامعة.

 

في نفس الفترة تمكن التيار السلفي –ولا يزال- من أن يكسب أرضاً واسعة في ظل الدعم المادي والعلمي والعاطفي من ممثليه في السعودية. وكانت المطبوعات السلفية تنتشر بقوة، لتستحضر صورة السلف المثالية بما يداعب خيال الشباب في هذه الفترة، والذين رأوا أن الإخوان بصورتهم الجديدة والمعدلة أقل من أن ينسبوا – فضلاً عن أن يقارنوا- بصورة السلف الذين هم خير القرون وهم الممثلون الحقيقيون للمنهج الإسلامي، وعيب على سلوك الإخوان في السبعينات ما اعتبره شباب الصحوة شكلا من أشكال التكيف مع "الواقع الجاهلي" أكثر منه محاولة لمواجهته أو مقاومته.

 

واستطاع التيار الجهادي ممثلاً في الجماعة الإسلامية والجهاد أن يحقق مفاجأة كبيرة بقدرته على منازلة النظام المصري والنيل من رأسه فيما عبر عنه بقتل "الفرعون"، وهو ما مثل مفاجأة بكل المقاييس للإخوان ولبقية القوى السياسية، واعتبر الإخوان وقتها أن ما حدث كان وبالاً على الدعوة وخروجاً على تقاليد الجماعة الأم، رغم أن التيار الجهادي اعتبر أن ما جرى كان جزءا من الفعل الإيجابي للأمة تجاه تعدي السادات على الرموز الإسلامية المعنوية كالنقاب، والدعوية كالمشايخ الذين قبض عليهم ورماهم في السجون وكان منهم بالطبع قطاع مهم من الإخوان.

 

وكانت إحدى المفارقات التاريخية الصاخبة هي أن التيار الجهادي أراد أن يثأر لما تعرض له الإخوان من تعذيب في حين كان الإخوان العائدون من السجون قد قرروا خطاً حركياً جديداً يمثل إلى حد بعيد قطيعة مع تراثهم السابق كما يمثل حصيلة لخبرة السجن الدامية، فقد أعلن الإخوان العائدون أنهم يتبنون بشكل كامل ما جاء في كتاب "دعاة لا قضاة" المنسوب إلى الأستاذ حسن الهضيبي وضعه في السجن، وكان ذلك يعني نبذ المواجهة بشكل تام مع النظام السياسي المصري باعتباره نظاما مسلماً، والقبول بالعمل داخل الأطر القانونية والسياسية التي يسمح بها النظام.

 

وأعلن شيوخ الجماعة الخارجون من السجن أن سيد قطب لا يمثل الجماعة في أفكاره وأن الشباب القطبي الذي تبنى أفكاره ليس من الإخوان. وبينما مثلت أفكار الشهيد سيد قطب ما يمكن أن نسميه "الإطار الحركي" للتيار الجهادي الذي شكل إلهاماً للسلوك الجهادي لأفراده، كانت الأفكار السلفية التي تدعو إلى اتباع السلف الصالح باعتبارهم خير قرون الأمة أهم مصادر ما يمكن أن نطلق عليه "الإطار المعرفي" للحركة الجهادية، وخرج "الإسلام المدرسي" ممثلاً في الأزهر وعلمائه من المعادلة بشكل مخز.

 

كانت العلاقة بالنظام الحاكم هي أهم ما مايز الفريقين. وعاب التيار الجهادي على الإخوان ما اعتبره تراجعاً حاداً عن القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأييداً غير مبرر للأنظمة الجاهلية، ولم يقبلوا وصف الإخوان لها بأنها أنظمة مسلمة في حين أن مرجعيتها علمانية، تجاهر كل أدواتها السياسية والإعلامية والتعليمية بالعداء مع القيم الإسلامية، فضلاً عن ولائها وخضوعها شبه الكامل لأعداء الإسلام. و كانوا يرون أن تأييد الإخوان لهذه الأنظمة يضفي الشرعية عليها رغم أن الحكم الشرعي هو مقاومتها والخروج عليها أو على الأقل منابذتها وعدم الدخول في طاعتها "إذ الطاعة في المعروف" ومن ثم فإن مجاهرة هذه الأنظمة بالعداء، والعمل على إسقاطها بكل الطرق هو واجب شرعي يقصر الإخوان في تأديته طمعاً في دنيا زائلة.

 

ويمثل كتاب أيمن الظواهري الذي كتبه في الثمانينات بعنوان "الحصاد المر للإخوان المسلمين في 60 عاما"، نموذجا للنقد اللاذع ذي الطابع العاطفي الجارح الذي يعكس المرارة التي يشعر بها التيار الجهادي من السلوك الإخواني المؤيد للنظم غير الإسلامية وغير الوطنية من وجهة نظر هذا التيار.

المزيد