على عكس ما يبدو لأول وهلة، فإن الاستثمار فى مجال إنتاج البرامج استثمار ضخم ومكلف، وعلى الرغم من أن تقنية- ومن ثم- سوق البرمجيات سريع التطور إلى حد اللهاث، إلا أن إنتاج البرامج يحتاج لوقت طويل لتحويلها من فكرة إلى نموذج أولى ثم منتج نهائى يتعرض لاختبارات مكثفة قبل طرحه للسوق. وقد أثبتت تجارب العاملين فى هذا المجال أن البرامج الجاهزة ل تصل إلى مستوى الأداء المرضى فى إصداراتها الأولى، خاصة مع وجود المستخدم المحترف الذى استخدم برامج شبيهة ولو فى مجالات أخرى. و ليس من قبيل الحلم الحديث عن صناعة برمجيات عربية متطورة خاصة أن مقومات نجاح هذه الصناعة ليست بعيدة المنال. ونعرض فيما يلى مجموعة من الأفكار تم تقسيمها إلى ثلاث مجموعات رئيسة عن المهام الواجب تنفيذها لتحقيق هذا الحلم.
5-1 الدور التقنى والإدارى
5-1-1 الإدارة العلمية للإنتاج
يتعين على منتجى البرمجيات أن يتخلوا عن أسلوب مخترعى القرن التاسع عشر، وأن يبادروا إلى تعلم إدارة الإنتاج وممارسته. وتعزى الخسائر الكبيرة فى الصناعات التى تعتمد على الابتكار إلى خطأ المنتجين أنفسهم الذين يغمضون أعينهم عن كل شىء عدا تقنياتهم العالية. ويظلون مفتونين بعملهم، وباستخدام أحدث التقنيات متعالين عن الناصحين الذين يلفتون نظرهم إلى أخطائهم المالية والإدارية الجسيمة. وفيما يلى نماذج لما ينبغى على الإداريين والتقنيين العرب أن يولوه اهتمامهم فيما يخص صناعة البرمجيات:
· من الأسطى إلى المدير
لازالت "البرمجة" أو "كتابة البرامج" -وهى شىء يختلف تماما عن "صناعة البرمجيات"- فناً لا علماً، ومن المسلم به أنك تستطيع أن تعلن أن برنامجاً ما به خطأ أو أخطاء، لكنك لن تكون صادقاً حين تعلن أن برنامجاً ما خال من الأخطاء. إن الاتجاه الجديد مع التطور الهائل فى استثمارات هذه الصناعة أنه قد آن الأوان ليعتزل "الأسطوات"، وأنه من غير المقبول أن يظل الإنتاج بعيداً عن السيطرة الهندسية والإدارية. وأنه لابد من وسائل عملية لمراقبة- ثم محاسبة- المبرمجين وقياس "معدل" إنتاجهم مع ما يستلزم ذلك من وضع معايير تقييم الأداء. وهو ما يمثل نقلة نوعية هامة لصالح جودة الإنتاج، ولصالح المستهلك فى النهاية، و لكنه مع ذلك وسيلة من وسائل احتكار السوق، وجعل صناعة البرمجيات حكراً على الأغنياء، مع أنها الأنسب لقدرات الفقراء والأقرب لتحقيق طموحاتهم.
· التخطيط للإنتاج
لم تكن حلول معظم المشكلات بسبب برقة عبقرية لمعت فى ذهن أحدهم، فأسرع إلى منزله أو معمله فعبث ببعض أدواته ثم خرج على الناس بأعجوبة جعلته من أصحاب الملايين. بل إن الوعى بوجود مشكلة يستلزم "تخطيطاً" للبحث عن الحل، يتحول معه البحث إلى سلسلة من البرامج والإجراءات المدروسة التى تتعامل مع مشكلة محددة بدقة. ويمكن الجزم بأنه لا سبيل إلى الطمع فى نجاحات ملموسة دون خطة تأخذ بيد “الطريقة المقترحة للحل” من عالم الاحتمال إلى دنيا الواقع خاصة أننا لا نتحدث عن البيوتكنولوجى أو “الحقيقة المتوهمة”، ولا نسعى لخلق ثورة صناعية أو تحقيق أرباح أسطورية، وإنما نحن نتحدث عن طموحات مقبولة أو قل متواضعة- تبدأ من مشكلة نحسن الإحساس بها، نخطط لحلها، ثم نشرع فى التنفيذ. والله هو الوكيل المستعان.
· اختيار أدوات الإنتاج المناسبة
من أهم القرارات الاستراتيجية التى يتعين على إدارة الإنتاج اتخاذها بحرص اختيار الأدوات والتقنيات المناسبة للإنتاج، ذلك أن تكاليف القرارات الخاطئة تكون باهظة. وعلى الإدارة أن تكون واعية للحاجات الحقيقية للمنتج، وقابليته للتوسع، وانتقاله من بيئة عمل حاسوبية لأخرى، وتعامله مع المنتجات الأخرى، وإمكانية تعريبه. وعلى الإدارة كذلك أن تستوعب الواقع العربى وخصوصياته فتختار تقنيات التنفيذ الملائمة له ( مثلا فإن تقنية OOP أو برمجة الكيانات أنسب للمجتمع العربى الذى يكثر فيه تغير التشريعات). وعليها أيضاً أن تكون لها نظرة مستقبلية فى قدرة الشركات المنتجة لأدوات الإنتاج على الاستمرار فى المنافسة وتقديم الخدمة. كما أن عليها أن تنتهج سياسة متوازنة بين الاعتماد التام على الأدوات الجاهزة أو صرف وقت وجهد لابتكار أدوات محلية خاصة.
5-1-2 إعلاء دور المستخدم
ينبغى أن يتخلى المنتجون عن إيمانهم الكاذب بقدراتهم الفريدة، واعتقادهم بأنهم وحدهم القادرون على تحديد “مواصفات” منتجهم و “نوعيته”، وإصرارهم على أن المستهلك الحقير لا يفهم شيئاً، ولا ينتظر له أن يفهم، وأن عليه أن يقبل محصلة خبراتهم بلا مناقشة.
5-1-3 فن اختيار الحلول
عند البحث عن حل يجب أن يناسب هذا الحل الطريقة التى اعتاد الناس أن يسلكوها فى تعاملاتهم. إن تعقيد الحل أكثر مما يجب جرياً وراء فتنة القدرة التقنية، من شأنه أن يرفع من تكلفة المنتج، وينفر المستخدم من التعامل معه (الأمثلة فى مجال البرمجيات كثيرة: انظر مثلاً تعقد برامج نظم المعلومات الجغرافية مع القدرة على تبسيطها وفكها).. و فى المقابل فإن تبسيط الحل أكثر مما يجب يفقد ثقة المستخدم. وقد فشلت بعض البرامج لا لأن بساطتها أفرغتها من القيمة، ولكن لأن هذه البساطة تضاد العادات المهنية، ولازال الأطباء والمحامون وخطباء الجمعة مع دعوتهم الملحة لإنشاء بنوك معلومات خاصة بهم، يتعاملون مع بنوك المعلومات ال
المزيد