فن الحوار

سبتمبر 28th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , الطريق

 من عدة أشهر كنت في لقاء مع مجموعة من المهتمين بعلم "إدارة المعرفة"، بدعوة من صديقي المهندس محمد غازي، في لقاء مع أستاذ كبير في هذا المجال اسمه ديفيد جارتين، وكنا بصدد إنشاء فرع لما يسمى "مقهي المعرفة"  أو "ديوانية المعرفة" Knowledge Café  في مدينة دبي. وهو أشبه بمنتدى افتراضي يلتقي فيه الناس ليتبادلوا العلوم والمعارف، ويتناقشوا فيما يهمهم من أمور العلم والاقتصاد والسياسة على مستوى العالم.

 

وكنا بصدد الإعداد ل "وثيقة المباديء" الحاكمة للعمل، وجاء الرجل ومعه مسودة ضمنها خلاصة خبرته الطويلة، فالرجل جاوز السبعين، كما أنه أنشأ من قبل أكثر من مائة نادي من هذا النوع في جميع أنحاء العالم.

 

وانتهينا إلى أربعة مباديء حاكمة:

 

الأول:

Knowledge is not about knowing, knowledge is about understanding

المعرفة ليست كي نعرف، المعرفة لكي نتفهم.

 

والغرض من النص على هذا المبدأ هو ألا نكون عبيداً للمعارف في حد ذاتها، جمعاً وإنشاء وتحريراً وتوزيعاً.. فالمعرفة نفسها لا قيمة لها. القيمة الحقيقية هي في استخدامها. لا قيمة لمجرد أن تحفظ القرآن الكريم، ولا أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم (الشيخ محمد عبده رفعوا إليه طفلاً يحفظ صحيح البخاري، فقال: زادت نسخ الصحيح واحدة، علموه أن يعمل بما فيه). وهذا المبدأ ينص على أن المعرفة يجب ألا تستخدم في التباهي أو التفاخر أو الاستعلاء أو الاستقواء.. وإنما للتعرف على الآخر، أو بمعنى أدق لتفهم دوافع الآخر ومنطقه. هذا الآخر قد يكون مديرك في العمل، أو ابنك، أو تلميذك أو جارك أو زوجتك… أو صاحب دين آخر أو مذهب آخر أو مدرسة حياتية أخرى.

 

الثاني:

conversation not debate

حاور لا تناظر.

 

هناك فرق كبير جداً بين الحوار والمناظرة. في الحوار يتساوى الطرفان. ولا ينتهي بمنتصر ومهزوم. الغرض منه أن تعرف المزيد من التفاصيل، لا أن تلقي المزيد من الحجج والبراهين. لا مجال في الحوار لحظ النفس أو غلبة الهوى، أو إظهار العلم والذكاء، أو مراءاة للناس أو طلب التقدير والثناء بخلاف ما يحدث في أغلب المناظرات. الحوار غالباً ما يسود في جو ودي بينما تتم المناظرة في جو مشحون أو متوتر أو عدائي.

 

والثالث:

List all what you agreed upon

أعد قائمة بما اتفقتم عليه

 

هذا هام جداً، فلابد أن يكون للحوار هدف، ولا بد أن تكون له نهاية. وليس مجرد مسابقة في المعلومات العامة أو القدرة على الاستدلال والتنظير. يجب أن يبدأ أي حوار بما يسميه علماء الأصول: "تحرير محل النزاع"، وينتهي بإعداد قائمة بما اتفق عليه الطرفان.. حتى لو كانت من فقرة واحدة أو فقرتين.. لا أدري لماذا نرى دائما ما اختلفنا فيه ولا تتجه أنظارنا إلى ما اتفقنا عليه، وهذا ما يزيد من جو التحفز بدون مبرر. ما يتفق عليه الناس أكبر بكثير مما اختلفوا فيه. فنتعاون فيما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. سواء كان هذا الخلاف سائغاً أو غير سائغ.

 

والرابع وهو الأخطر:

Don’t exit any conversation unless you change

لا تخرج من أي حوار دون أن تتغير.

 

والحق أنه لولا ما منحه الله إيانا -محمد غازي وأنا - من الثقة والتوفيق، لشككنا في نواياه، خاصة هذا المبدأ الرابع الخطير، فما معنى أن تدخل حواراً عن العقيدة وفي نيتك أن تتغير؟!! ما معنى أن تدخل حواراً عن الإسلام وليس لديك مشكلة في أن تخرج من هذا الحوار وقد تغيرت قناعاتك عن الإسلام. كان التصويت بالأغلبية. وصوتت الأغلبية مع هذا المبدأ، وكان علينا أن نقبله، فقبلناه على مضض.

……….

 

لا أخفيكم سراً أنني – ومجموعة المؤسسين من المسلمين– وسط الأجواء الغربية التي صاحبت إنشاء المقهى لم ننتبه في حينها أن هذه المباديء الأربعة متفقة تماماً مع نصوصنا الإسلامية، ولها جذور عميقة في تراثنا الإسلامي. بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه، وهو يناقش نصارى نجران في عقيدتهم الواضحة الفساد قال لهم: "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين".

 

ولا أخفيكم سراً، أن هذا المبدأ الذي كنا نخشاه، صار هو سلاحنا الأمضى في الحوارات لا المناظرات.

 

مرة أخرى الغرض ليست أن ننتصر، ولا أن نثبت أننا على صواب وأن الآخرين على خطأ، ولكن أن ننشر ونعبر ونشرح ونوضح ما يخفى على الآخرين مما نعرفه، ويغيب عنهم.

 

نجح المبدأ الرابع تماماً في أن يغير طريقتي في الحوار، ومشاعري وسلوكي أثناءه، وأعلم أنه تغيير صعب، ويحتاج إلى إرادة قوية وصفات شخصية مميزة تأتي يالتدريب لمن لا يملكها بالفطرة.  فلم يعد همي في الحوار أن أثبت أنني على صواب وأن الآخر على خطأ بل صار همي ثلاثة أشياء:

 

-        

المزيد


إطلالة على المشهد

يوليو 17th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , الطريق

(1)

خذها قاعدة…

معظم الأحداث التي توصف بالخطيرة لا تنشيء المشاكل وإنما تكشف عنها.

تصدير الغاز لإسرائيل، وإغلاق معبر رفح، وعبور الناقلات العسكرية الإسرائيلية في قناة السويس، واجتماعات السفيرة الأمريكية مع وزير التعليم المصري، وتزوير الانتخابات، واعتقال المعارضين السياسيين لم ينشيء مشكلة ضعف وفساد الإرادة السياسية لنظام الحكم وإنما كشف عنها.

حصول سيد القمني وجابر عصفور على جوائز الدولة التقديرية وتهجم فاروق حسني على الحجاب، وسخافات أحمد عبد المعطي حجازي وتجاوزات حلمي سالم،  لم ينشيء مشكلة سوء المناخ الثقافي وإنما كشف عنها.

خلاف الشيخ يوسف القرضاوي مع الشيعة وتصريحاته وردود الفعل المشتركة، والهجوم المتبادل بين الوهابيين والشيعة والسلفيين والصوفية،  لم تنشيء مشكلة انعدام الثقة والتربص بين الطوائف الإسلامية وإنما كشفت عنها.

تفجير برجي التجارة في نيويورك، والغزو العسكري للعراق وأفغانستان، والرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم واستشهاد الدكتورة مروة في ألمانيا لم ينشيء مشكلة العداء الحضاري بين الشرق والغرب وإنما كشف عنها.

وتكرار نموذج التوريث في العديد من الجماهيريات العربية، وتغيير الدستور في ساعات، والتصويت في مجلس الشعب باليموت كونترول…   لم ينشيء مشكلة الغياب الكامل للشعوب العربية وإنما كشف عنها.

الجيد في المسألة أن الكشف عن المشاكل، يضعها في بؤرة الاهتمام، وهذا هو أول الطريق لمواجهتها وحلها.

………..

 (2)

وقد حملت السنوات العشر الأخيرة زخماً في الأحداث، وقدراً أكبر من الاستقطاب الذي من شأنه أن تستبين معه سبيل المجرمين وأن ينفي عن الصورة أي خبث وتشويش ويظهرها مجردة عن التجميل المصطنع أو التفسير المتردد. وإذا كان لهذه الأحداث أي أثر إيجابي –على بشاعتها- فهي قدرتها على كشف الصورة بغير تزييف، وعرض الحقيقة بغير مواربة.. وهي أن سبب نكبتنا:

·       إرادة سياسية فاسدة

·       نخب ثقافية مضللة

·       تيارات دينية متنافرة

·       عداء حضاري سافر

·       جماهير شعبية مغيبة

ولا جدوى من أية محاولات للإصلاح تتجاهل أياً من هذه الأسباب أو تنكرها. ويجب علينا أن نتذكر هذه الأسباب الخمسة معاً ونتعامل معها معاً، وإلا كان علينا أن ننتظر مائة عام أخرى دون أن نراوح مكاننا.

لن تحل مشكلة الإرادة السياسية الفاسدة نخب ثقافية مضللة، تقبل تغييب الشعب، ولا تؤمن بالعداء الحضاري فتستبدله بتبعية كاملة، وتعمل على زيادة التنافر بين التيارات الدينية كي يضرب بعضها بعضاً فيخلو لها الجو. مع أنهم تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى.

ولن يستطيع أن يواجه النخبة الثقافية المضللة إسلاميون متعصبون يصفون أنفسهم لأنفسهم بأنهم أهل الحل والعقد دون أن يتفقوا على مباديء الحد الأدنى للحوار، ويسرفون في استخدام سلاح التكفير، ويحرضون الإرادة السياسية الفاسدة لتكون في صفهم، وليسوا جادين في تقديم بديل قادر على مواجهة الغزو الثقافي الخارجي، ويعملون – من غير أن يدروا- على زيادة تغييب الجماهير وعزلها عن اتخاذ القرار.

وكل محاولات الاحتماء بالخارج فكراً أو تمويلاً أو ضغطاً سياسياً بحجة تنوير الشعب أو الضغط على الحكومة مصيره الفشل، لأنه لن يؤدي إلا إلى مزيد من التنافر بين التيارات الدينية على الساحة لا لشيء إلا لأنه لن ترضى عنك اليهود ولا النصاري حتى تتبع ملتهم.

وبدهي أنه لن يحدث تغيير حقيقي حتى تستفيق الجماهير الشعبية المغيبة، وهو ما يتصارع عليها أطراف الصراع الأربعة: أصحاب السلطان، المثقفون، الإسلاميون، أمريكا… وهو صراع تبدو حلقاته محكمة في ظل التوصيف السابق للأزمة.

وعلينا أن نبدأ بالفهم والتحليل… حتى يمكن أن ننطلق إلى الحل والخلاص.

(3)

لطالما سألت نفسي في أسى: ما دمنا نملك المنهج الرباني الذي يؤهلنا ويبشرنا بالتمكين، وما دمنا نملك العلماء القادرين على حمل هذا المنهج  وبسطه للناس وتحويله إلى صور قابلة للتطبيق، وما دامت جماهير الأمة في شوق للتوافق مع هذا المنهج واعتماده أسلوب حياة وشريعة، وما دمنا نملك نصف ثروات العالم الطبيعية، وخمس مساحته الجغرافية، وأكثر من 1400 مليون مسلم، فما الذي يحول بيننا وبين اعتلاء المجد الذي نستحقه؟!

الحقيقة التي علينا أن نواجهها بحزم، ونتصرف إزاءها دون مواربة.. هي أن ما يحول بيننا وبين تحقيق أحلامنا كأفراد ونهضتنا كأمة هو في المقام الأول: "إرادة سياسية فاسدة"  تغتال مشاعرنا، وتثبط عزائمنا، تستخذي أمام الآخر، وتسمي الخذلان واقعية، تستطيب لعق حذاء الخواجة، وترضى بفتاته، وتبيع مقدرات شعوبها بأبخس الأثمان، كافرة بحضارتها، مفرطة في قدراتها ومواردها، ساخرة من قدرة شعوبها على النهضة، تستورد مثلها وقيمها من الخارج، وتطمر قيم الإسلام ومثله في خزائن بلا مفاتيح، تخشى أن تفتحها فتفضحها، تؤمن في داخلها أن قيم الدين تخلف ورجعية، وإن جاملت جماهيرها باحتفالات شكلية في ذكرى المولد النبوي والنصف من شعبان.

(4)

ومنذ قرن أو يزيد كان الاستقطاب العلماني/ الإسلامي قائماً ولا يزال. والمنازلات الصحفية بين طه حسين وأنصاره من جهة ومصطفى صادق الرافعي ومناصريه (مثلاً) من جهة أخرى يتم استنساخها جيلاً بعد جيل، لتناقش نفس القضايا وتدفع بنفس الحجج وتثير نفس المشاعر. فقط يتغير الأبطال ويتغير عنوان الكتاب (المسلسل) لكن القصة واحدة.

بل إني أزعم أنه يمكن نقل عبارات بأكملها من الرافعي أو العقاد أو شكيب أرسلان أو عباس فضلي أو يوسف الدجوي أو الخضر حسين كتبوها من أكثر من سبعين عاماً للرد على خليل عبد الكريم وفرج فودة وفؤاد زكريا ونور فرحات، وسيد القمني ونصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي وحسين أحمد أمين وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمد سعيد العشماوي فيما كتبوه في السنوات القليلة الماضية.

ويمكن طبع كتب الرد على "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق وكأنها ردود على العشماوي ونصر أبو زيد وفرج فودة. بل يمكن لنواب مجلس الشعب الحاليين أن يطلبوا مضابط مجلس الشعب التي حوت مداخلات أسلافهم من أمثال الشيخ القاياتي وعبد الحميد البنان وعبد الحميد بك سعيد، وغيرهم ممن تصدوا لطه حسين وعلي وعبدالرازق وإسماعيل مظهر وسلامة موسى.

وقد قدر لي أن أقف ببعض التفصيل على ملامح المشاريع الدعوية والحركية لعدد من أقطاب الفكر الإسلامي، وعلى امتداد الأقطار الإسلامية منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن

المزيد


المؤمنون

يونيو 15th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , الطريق

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) متفق عليه.

يشير هذا الحديث إلى شرط من شروط الإيمان وعلامة من علاماته، وهو أن يتمنى الإنسان لأخيه ما يتمناه لنفسه، ويكره له ما يكرهه لنفسه. وفي رواية لأحمد: (لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير). ويوضحها بطريقة عملية مباشرة رواية أخرى في مسند الإمام أحمد عن يزيد القسري قال قال لي رسول الله: (أتحب الجنة؟ قلت: نعم قال: فأحب لأخيك ما تحب لنفسك). ويشمل ذلك جميع الأعمال الصالحة من الاعتقادات و الأقوال والأفعال الدينية والدنيوية.

والقيمة التي يدعو إليها هذا الحديث فريدة. هي خليط من الإيثار والتسامح والتعاون والتواضع والتناصح والبر. ولا أجدها بهذا التوصيف في أي دين آخر، أو أية دعوة أخرى.

هذا الحديث لا يدعوك إلى الصدقة، وهي مطلوبة، ولكنه يدعوك لأن ترتقي بمشاعرك لا لتقدم عوناً لأخيك المحتاج، ولكن لكي تتمنى من قلبك صادقاً أن يحظى بما حظيت به المكرمة والفضل والمال. تخيل أن مليارديراً – يحب لنفسه الرفاهية- لا يفكر فقط في حجم الأموال التي سيتبرع بها كصدقات، وإنما في عدد الناس الذين سيساعدهم ليكونوا مثله.

وتخيل أن ضابطاً – يكره لنفسه الأذى والتعذيب- لا يفكر فقط في كيف سيتعامل مع المعتقلين بود واحترام، ولكن كيف سيساعدهم ليخرجوا من هذا الحبس الظالم.

وتخيل أن طبيبا يعالج أحد مرضاه، ولا يفكر فقط في كيف يخفف على مريضه تكاليف العلاج، وإنما أيضاَ في أنه سيبذل كل ما في وسعه ليخفف من ألم هذا المريض، لأنه لا يحب لنفسه أن يكون مريضاً متألماً مثله .

لا يؤمن… أي لا يستحق صفة الإيمان الحقيقي من لا يفعل ذلك.

إن الحديث لا يقول أحبوا أعداءكم ولا باركوا لاعنيكم. وهو لا يقول من ضربك على خدك الأيمن فأدر له كفك الأيسر، ولا يقول إذا كانت أمامك فرصة للترقي فقدم أخاك إيثاراً، ولا يقول لك: فكر بطريقة win/win يعني الكل رابح، ولا يقول لك: لا تتمنى لعدوك أو منافسك الزلل، وإنما يدعوك لأن تفعل ما هو أرقى من ذلك كله…

وهو أن تتوجه إلى قلبك لا جوارحك لتبني فيها هذا المعنى النبيل الفريد… وهو يا أخي لا فرق إن كنت أنا الغني أو أنت، لا فرق إن كنت أنا الرئيس أم أنت، لا فرق إن كنت أنا الفائز أم أنت، ففرحي فرحك، وسعادتي سعادتك. وأيضاً: لا فرق إن كنت أنا المكلوم أو المصاب أو المجروح أم أنت فهمومك همومي، وأتراحك أتراحي... خفف الله عني وعنك.

أنت لا تقول ذلك بلسانك، ولا تعلنه في التليفزيون كجزء من حملتك الدعائية، ولا تكتبه وتوثقه في الشهر العقاري حتى تثبته أمام المحكمة، وإنما تفعل ذلك بينك وبين ربك، تتبناه وتمارسه وتعيش به… أنت لا تفعل ذلك وحدك بل المجتمع كله يفعله.

إنني أتخيل الأثر الإيجابي على المجتمع وعلى الاقتصاد وعلى السياسة وعلى العلم، مع زيادة عدد من يطبق هذا الحديث بشكل كامل. وأعتقد أن على من يبحث عن مفتاح سحري للترقي السريع على المستوى الشخصي والمجتمعي والأممي، ومن يبحث عن حل فوري لمشاكل البطالة والعنوسة وسوء الأخلاق والمرور والفقر، فليس عليه أن يبحث عن الحل عند مستشار غربي، وإنما عبر جملة: "أحب لأخيك ما تحب لنفسك".

سأتخيل أن رجال الأعمال سيطبقون هذه القاعدة (أحب لأخيك ما تحب لنفسك)، وبالتالي فإن كلمة المنافسة سيتم استبدالها بكلمة التشاور، وسيتغير هدف رجل الأعمال الناجح من أن يحتكر السوق ويحطم كل منافسيه، إلى أن يضاعف مجتمع الأعمال حجم العمل الإجمالي ليس من أجل أن يتحالفوا ضد المستهلك، - فهم لن يؤمنوا حتى يحبوا للمستهلكين ما يحبونه لأنفسهم- ولكن من أجل إتاحة الفرصة للموهوبين للنمو، وللفرص أن تتضاعف، وللثروة أن تنمو، وللبركة أن تعم.

وسأتخيل أنني طالب أحب لزميلي ما أحب لنفسي، فسأتبادل معه كل المعلومات التي أعرفها، وسيفعل هو الشيء نفسه معي، وسأساعده بنماذج امتحانات وحلول أسئلة صعبة، ومراجع حصلت عليها، وسيفعل هو الشيء نفسه معي… وسيفعل نفس الشيء معنا أستاذنا… ولا يهمني بعد ذلك من يحصل على الترتيب المتقدم، لأني أحب له أن يكون الأول كما أحب ذلك لنفسي، وسأفعل كل ما بوسعي حتى لا يرسب لأني لا أحب لنفسي الرسوب… جرب أثر هذا الجو على حقيقة العلاقات بين الناس، وعلى مستوى البحث العلمي.. الذي ندفع ثمن انهياره من كرامتنا واحتياجنا لعلوم الآخرين.

وسأتخيل أن شاباً متديناً أكرمه الله بالقرب منه، وهداه إلى طريقه، ورأى ما أنا عليه من معاصي وانحراف عن طريق الحق، فهو بموجب هذا الحديث يحب لي ما يحب لنفسه، وسيظهر من اه

المزيد


سباق الخيل

مايو 31st, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , الطريق

من بين أشهر وسائل التسلية في جميع أنحاء العالم أن تحضر سباقاً للخيل.

ويعتبر سباق الدربي الذي يقام في إبسوم  بإنجلترا واحداً من أشهر سباقات الخيول في العالم، وقد بدأ تسجيل نتائجه منذ عام 1661 أي قبل حوالي 450 سنة، وظلت جوائزه حتى وقت قريب هي الأعلى (1.8 مليون دولار) قبل أن يسحب منه البساط سباق الخيل في مضمار "ندا الشبا" في دبي الذي تبلغ مجموع جوائزه 6 مليون دولار.

تصل الجائزة الأولى في سباق الدربي الإنجليزي إلى حوالي مليون دولار، بينما تصل الجائزة الثانية إلى حوالي 200 ألف دولار أي خمس قيمة الجائزة الأولى تقريباً.

إنني أريدكم أن تتخيلوا أننا الآن في مضمار السباق، البوابات تفتح … الخيول تنطلق… 24 حصاناً من أسرع الخيول ينطلقون الآن ككتلة واحدة.. ثم تبدأ الكتلة في الانفراج، ويصبح ستة منهم في المقدمة يتبادلون المراكز الأولى، ثم يصبحون أربعة  بينما يتبعهم الباقون من الخلف.

ها هو الخطو يزداد سرعة.. إنه يزداد أكثر… أقل من مائة متر ويأتي خط النهاية. ينفصل ثلاثة عن المجموعة الرباعية.. ثم يتخلف الثالث ولم يبق على نهاية السباق سوى ياردات قليلة.

الحصانان الباقيان يجريان عنقاً لعنق، وقدماً لقدم.. كل العيون مشدوهة، كل الأنفاس متوقفة.. كل الجماهير مترقبة.. واستمر الحصانان على هذا النحو عنقاً لعنق حتى اجتازا معاً (أو هكذا بدا للجميع) خط النهاية ولم يكن من سبيل لتحديد الفائز إلا بالعودة إلى التصوير وحسابات الكمبيوتر.

قال الكمبيوتر: الحصان الفائز متقدم بأنف.

وفاز الحصان الأول بالجائزة الأولى وقدرها مليون دولار، وفاز الحصان الثاني بالجائزة الثانية وقدرها 200 ألف دولار.

وسؤالي هو: هل دار الحصان الأول حول الحلبة بسرعة تساوي خمسة أضعاف سرعة الحصان الثاني؟ لا.

المزيد