في آخر السطر – شعر أحمد بخيت

يوليو 9th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , قصائد منسية

فِي آخِرِ السَّطرِ

أمْ  فـي بَدئِهِ تَقِفُ

 في الحَـالتينِ   وحيدٌ   

أيُّـهَا   الألف

……..

أرسلتُ جِذرَكَ

حيثُ الأرضُ مُعتِمَةٌ

 وامتـدَّ جذعُكَ

حيثُ النَّجمُ  يُقتَطَفُ

……..

يَـا سـاقيَ الغَيمِ 

يَـا عَـرَّابَ  أنجُمِنَا

ويَـا نَخيـلاً 

يُصلِّـي حَـولَهُ  السَّعَـفُ

……..

أَعلَـى  مِنَ  الزَّهْوِ 

لا  كبرٌ  ولاَ  بَطَرٌ 

والحُبُ

ليسَ  بِغَيْـرِ   الحُبُّ  يتَّصفُ

……..

عَـامٌ  كَبِرنَـاهُ 

شَـابـَتْ بُحَّتي شَجَنًا

والشمسُ

يَصْعَدُ  في مرآتها كَلَفُ

……..

وَكُلَّـمَا  قلتُ :  يَكفِي 

قَالَتِ امْرَأَتِي

 إنَّ الكَـآبـَةَ  عَجزٌ  

والأَسَـى  تَرَفُ

……..

لولاَ   الذي بَيْنَنَا

فِـي الحبِّ مِـنْ رَحِمٍ

كُنتُ انصرُفْتُ

ومَا فِي الحُبِّ مُنصَرَفُ

……..

قُلْ    للمَلـيـحَةِ :   

لاَ   يَـأسٌ  ولا  نَـدَمٌ

وقُـلْ لِـمَـنْ آسَفُـونَا - بَعدُ - 

لاَ  أَسَفُ

……..

لَـم أَقْـتَـرفْ دَمعَـةً

إلاَّ  التي اجْتَرَحَتْ

صَفحًا لِمَنْ جَرَحُونِي

فَوقَ مَا اقتَرَفُوا

……..

صَدقْـتَ قَلبـِي  

فَـمَا منْ حَرْبَةٍ كَذِبَتْ

إلاَّ كَـشَفـتُ لهَـا صَـدْرِي

فَـتَـنْكَـشِـفُ

……..

فـإنْ تَـبسَّمَ  لِي حتفي 

ابْتَـسَمْتُ لَـهُ

 لقيا الأحبة بعد الوحشة

 ائتلفوا

……..

لِـي أُمَّـةٌ  

فـي زَمـانِ الـرُّومِ  تَـائِـهـةٌ

 نَـامَ المَمَـاليـكُ عَنـهَـا

وهيَ تُـنْـتَزَفُ

……..

مُـضَـرَّجٌ   بـِأسَـاهَـا  

 وهـيَ  ذَاهـلَـة ٌ

مَا مَـسَّـهَـا الـضُّـرُّ 

إلاَّ مَسَّـنِـي لَـهَـفُ

……..

لا يَـرجِفُ الـرُّومُ

إلاَّ حَـولَ خَيـمَـتـِـهَا

وبِـاسْمِـهَا

كـانَ قَلبُ الرُّومِ يَرتَـجِـفُ

……..

ذهـبتُ ألـقَـفُ كَـيـدَ السِّـحرِ

رَوَّعَنِـي

حبْلُ الفَرَاعـيـنِ

حتَّـى كِـدتُ أَلْـتَـقِفُ

……..

الجـاثِـمُـونَ  علَـى  أَكـبَـادِنَـا 

قَـرَحًـا

مِنْ عـهـدِ عَـادٍ

إلى أنْ تُنشَرَ الصُّحُفُ

……..

سُبـْحـانَ مَن حَرَّرَ الإِنْـسَـانَ

يُخْجِلُنِي

أنَّـا  علَـى هـذِهِ الأصْنـامِ 

نَـعـتَـكِـفُ

……..

لمْ يَـنكـَفِئْ صَـنَـمٌ 

إلاَّ  طَـغَى صَـنـَمٌ

 حتـَّى مَـتَـى يـَا إلـَهِي

هـذهِ الجِيـَفُ؟

……..

أخـتَ العُـروبَة

هَا قـدْ جئـتُ مُكتَـهِلاً

والعُمـرُ يَركُضُ

والأنفـاسُ تُختَـطَفُ

……..

وهَا أنا بَيـنَ أهلـي

هـُمْ دمـِي ويَـدِي

هُم ملحُ دَمعِي

هُم التَّحنانُ والشَّغفُ

……..

إن يختَـلفْ   خُبزُنَا  الـيَومِـيُّ 

 لَهجَتُـنَـا

فِي القلب

فصحى دماءٌ ليسَ تَختَلفُ

……..

مُـذ كانتِ الأرضُ عَجماءً

وهـم عَرَبٌ

 لمْ يُعـرِفِ النَّـاسُ

لـولاَ أنَّهـم عُـرِفُوا

……..

تصفَّحـوا هـذهِ الصَّـحراءَ

فاكتَـشَفُوا

أنَّ السَّمـاءَ علَـى أَكـتـافـِهـِم

المزيد


ليلة العيد

ديسمبر 8th, 2008 كتبها  وائل عزيز نشر في , قصائد منسية

ليلة العيد

 

نستأجرُ ناساً تشنقنا

فإذا فعلوا

ماطَلْنا في دفع الأجرة ثم صرخنا

“أين حقوق الإنسان؟”

…….

برغم الخبرةِ والتاريخْ

تنقصني

مهارةُ أن أتحول زهرة

……..

أقلب قنواتِ التلفاز

بحثاُ عن شبهة “قيمة”

ثم أقرر يأساً

أن أسلق بيضة

…….

في غزةْ

الطرقاُت حزينة

خاليةٌ من نَفَسِ الناس

وتضيء الأسواقَ

العتمة

…………

لو لبس الناس قلوبَهُمُ في عرفات

ترى

هل سوف نبصر هذا البياض؟!

……..

واعدتُهْ

المزيد


ويبقى الشعر - قراءة في نتائج مسابقة أمير الشعراء

أغسطس 16th, 2008 كتبها  وائل عزيز نشر في , قصائد منسية

ويبقى الشعر…

 

التهنئة واجبة لسيدي محمد ولد بمبا بحصوله على لقب و جائزة مسابقة أمير الشعراء، وهي مقدمة في الأصل إلى الجمهور الموريتاني العظيم بلد المليون شاعر الذي خاض معركة ثأرية مع المسابقة، ولم يجد ما يمنعه رغم ما تعانيه البلاد من اضطراب بسبب الأحداث السياسية الأخيرة من أن يرصد خمسة ملايين دولار ليحصل على جائزة المليون درهم، وأن يسخر طاقة شبابه رجالاً ونساء في كل الأقطار العربية لدعم شاعرهم الجميل، فحصل سيدي محمد على أكثر من ثلاثة ملايين  ومائتي ألف صوت حسب روايته الموثقة بتقارير شركة الاتصالات….

 

حشد الموريتانيون كل طاقتهم للفوز باللقب فنالوه باستحقاق رغماً عن إرادة لجنة التحكيم، وقدموا درساً عظيماً لكل الشعوب العربية عن قيمة التضامن لتحقيق الهدف… وقد كان هدفهم اليوم لقباً لشاعر… فما بالك لو استخدم هذا التضامن لتحرير وطن محتل، أو إسقاط نظام معتل، أو تحقيق نهضة حضارية حقيقية.

 

والتهنئة أيضاً مستحقة للشاعر الرقيق شعراً وسلوكاً محمد إبراهيم يعقوب ابن جازان المحبوب، وممثل بلاد الحرمين الشريفين، وصاحب القاموس الشعري الناعم، والأداء المسرحي المتناغم… والذي جعل همه أن يقدم التحية لأصدقائه ونقاده شعراً… ولم يخش أن يتهم شعره بالتقليدية والافتعال… فتكريم الصديق عنده مقدم على تعليق الناقد.. ولا بأس من قصيدة احتفائية غنائية خفيفة في مناسبة ختامية شفيفة.

 

وهي أيضاً مقدمة للصديق أحمد بخيت، الذي أثبت أن الموهبة وحدها عارية من الدعم الحكومي والاهتمام الشعبي والتسويق الإعلامي والمساندة المالية يمكن أن تصمد للنهاية وأن تحقق المعجزات، فحصل – بحسبة مبدئية تحتاج إلى مزيد من التوثيق – على أربعمائة ألف صوت، أصدق ما فيها أن كل صوت منها خرج من محب حقيقي إلى شاعر حقيقي.

 

أما الشاعر النبيل المثقف مهند ساري فيستحق تهنئة مضاعفة، فهو يحرث في أرض خاصة، ويقدم شعراً مختلفاً عن غيره (بكسر اللام)، ومختلفاً فيه (بفتحها)…   لكنه يعرف طريقه ويخلص له، ولا يغير من جلده ليرضي فلان أو يتجنب اعتراض علان. ولو كانت هناك جائزة خاصة لمن يسلك أصعب السبل ويختار أغرب الألفاظ، وينحت أعجب التراكيب، ويستخدم أصعب القوافي لنالها بدون منافسة.

 

وكذلك كسب الشاعر المحترم إدي ولد أدب احترام ملايين المشاهدين في الوطن العربي، وقدم مثلاً رائعاً في التضحية والإيثار. و رحلة الأستاذ إدي في المسابقة بداية من التقديم الأولي إلى مصاعب تأشيرات الدخول، إلى تحديه المستمر للجنة التحكيم، إلى العودة إلى المنافسة بفضل التصويت قصة مليئة بالمفارقات، تؤكد أن ما شاء الله سيكون، فوق أية ترتيبات أو حسابات. لكنه نجح بشخصيته وشعره أن يكون صوت العقل الراشد، والأداء الحكيم، والتمسك المفرط بقيم الصحراء.

 

ولن ينسى الجمهور العربي ابنة الأوراس الشاعرة الرقيقة خالدية جاب الله. فراشة المسابقة وفاكهتها. وقد صفق الجمهور لها حين أعلن مقدم البرنامج عن خروجها، أكثر مما صفق للفائزين حين أعلن عن فوزهم. ولو كانت هناك جائزة للكاريزما والحضور لنالتها بدون عناء.. تعليقاتها داخل المسابقة وخارجا تكشف عن قلب مليء بالحب للجميع، والامتنان للأصدقاء، والتقدير للأساتذة، والاعتزاز بالأصل… وهكذا يكون الشعراء والشاعرات.

 

والتهنئة كذلك للشعراء والشاعرات الذين أمتعونا طول فترة المسابقة، وحازوا على جوائز الجمهور والنقاد:

الشاعر أحمو الحسن /المغرب/ شاعر الحب

أحمد أبوسليم /الأردن/ شاعر القضية

حاتم الزهراني /السعودية/ شاعر الإبداع

سعيد المنصوري/ الإمارات/ الشاعر الواعد،

شيماء محمد حسن /مصر/ شاعرة الرومانسية

عبدالله ولد بونا /موريتانيا/ شاعر الإنسانية

رابح ظريف /الجزائر/ شاعر الرسالة

 عقيل اللواتي /عمان/ شاعر الشفافية.

 

كما قدم أعضاء لجنة التحكيم جائزة اللجنة لخمسة من شعراء البرنامج بناء على معايير خاصة بكل عضو من أعضاء اللجنة حيث اختار الدكتور عبدالملك مرتاض الشاعر التونسي خالد الوغلاني واختار الدكتور علي بن تميم الشاعر العراقي عماد جبار عن قصيدته ثلاثية المنافي في حين ذهب اختيار الدكتور صلاح فضل للشاعر السوري قحطان بيرقدار وذلك لاستلهامه المناخ الأندلسي في قصيدته، كما اختار نايف الرشدان بداهة ونُبل الشاعر اللبناني مهدي منصور، واختار الدكتور أحمد خريس الشاعرة الجزائرية شفيقة وعيل لتألقها بالمرحلة الأولى من البرنامج.

 

 

وأعتقد أن كل شاعر من شعراء المرحلة الأخيرة قد حصل على ما تمناه من اشتراكه في المسابقة…

 

سعى محمد بن بمبا للحصول على اللقب الرسمي لدولة موريتانيا… فساعده الشعب الموريتاني في الحصول على اللقب. في مسابقة اعتبرها هو والموريتانيين “ضراباً في ضراباً، فعاد منها “ممتليء الإياب”!!.

 

وسعى محمد إبراهيم يعقوب للحصول على شهادة للشعر السعودي الفصيح، وعلى فرصة لإيصال صوته الشعري العذب إلى الجماهير، وعلى أمان

المزيد


صوتوا لأحمد بخيت

أغسطس 9th, 2008 كتبها  وائل عزيز نشر في , قصائد منسية, مصر التي في خاطري

الحديث مع الشاعر الكبير  أحمد بخيت ممتع كالاستماع  لشعره…

حكيت له قصة أعجبته، فحكي لي قصة أعجبتني…

قلت له: إن متسلق الجبال اللبناني ماكس شايع، شاهد أثناء هبوطه من جبل إفرست زميلاً له سقط في الثلج وأخذ يحتضر، توجه إليه بسرعة وحاول مساعدته على النهوض فلم يستطع، اتصل بقائد الفريق ليرسل له نجدة، فسأله القائد: هل يستطيع الوقوف؟ قال: لا… فرد القائد: إذن دعه وانزل، من لا يستطيع الوقوف لا يمكننا مساعدته…

قال أحمد: هذا شأن الشعوب كما هو شأن البشر، على الشعب أن يقف بنفسه أولاً قبل أن نقول أين أنتم يا مثقفون لمساعدته..  

………

أما القصة التي حكاها فتقول:

صدمت السيارة الرجل وهربت… تجمع حوله عشرات المارة… كلهم يصرخ في انزعاج… اتصلوا بالإسعاف … اتصلوا بالإسعاف… لم يخرج أحدهم هاتفه المحمول ويتصل..

كلنا نقول… لا يا حكومة … لا يا توريث…  لكننا لم نحاول أن نسقطها في الانتخابات، ولم نفعل شيئاً لمنع التوريث.

والمعنى في القصتين واحد. كن إيجابيا

 لن يعينك أحد إذا لم تكن قادراً… لا تقل يمكنني، افعل.

……..

كل من قابلته من جميع الجنسيات  ممن يتابعون مسابقة أمير الشعراء التي تنظمها هيئة الثقافة والتراث في أبو ظبي… يجمع على أن أحمد بخيت هو الأحق باللقب… ولكن حتى يحصل على اللقب، لا بد أن يحصل على تصويت الجمهور… وإلا خرج من المسابقة…

وإذا حدث فسيكون ذلك مفاجأة وصدمة كبيرة، ليس لأحمد بخيت ولكن للجنة المنظمة التي تريد أن تحتفظ بمصداقية المسابقة وإثارتها حتى آخر لحظة..

في موريتانيا الشقيقة – رغم ظروفهم الصعبة – يتكاتفون مع مرشحهم… حتى أن شاعرهم الجميل إدي ولد أدبا حصل في المرة السابقة على مليون وثلاثمائة ألف صوت في أسبوع… وفي السعودية طبعوا صوراً في معظم أحياء السعودية لمناصرة شاعرهم الرقيق الجميل محمد يعقوب، وفي الأردن وفي فلسطين تعهدت القبائل بمناصرة ابنها الشاعر المثقف مهند ساري… من مخيم جنين حتى جبال عمان. حضر الممثلون الر

المزيد


المهنة شاعر (5)

يونيو 7th, 2008 كتبها  وائل عزيز نشر في , قصائد منسية

أظنه الشاعر الإنجليزي الشهير ت. س. اليوت هو الذي قال: “كل الناس كتبوا الشعر دون الخامسة والعشرين من عمرهم. الشعراء فقط هم من واصلوا الكتابة بعد ذلك”. .. عن نفسي فلا زلت أكتب حتى بعد أن جاوزت الأربعين، دون أن أعد نفسي شاعراً.. أغفل إليوت الفرق بين أن تكتب وأن تكون كاتباً، وأن تخطب وأن تكون خطيباً، وأن تطبخ وأن تكون طباخاً، وأن تتزوج وأن تكون زوجاً، وأن تُشعر وأن تكون شاعراً.

والفرق كمي وكيفي… فليس ثمة شاعر مجيد (بفتح الميم)، إلا وهو شاعر مجيد (بضمها) مكثر، باستثناءات محدودة – كأبي القاسم الشابي- يمكن أن تنسب إلى الظرف التاريخي أكثر من أن تنسب إلى الوهج الشعري.  والإكثار من الجيد يستلزم وقتاً ممتداً، واستثارة مستمرة، ومناخاً مواتياً، والجمع بين الثلاثة يحتاج إلى تضحية لا يستطيعها إلا الملهمون الحقيقيون، وهم من وصلوا إلى ذلك المقام التي عناه طاغور بقوله: “أنا لا أذهب إلى الشعر الجيد… الشعر الجيد يأتيني”… وهم من تحول الشعر عندهم عبر محطات متعددة من:

اجتهاد بالقراءة المطولة والنقد الذاتي إلى ملكة

ومن ملكة اصطياد المعاني المبتكرة إلى عادة

ومن عادة الحديث بالشعر كالتنفس والنوم إلى طاقة.

والطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم.

…….

حدثتكم أن أحمد بخيت حين كان في السادسة قال لمعلمته في الصف: “إنه يود أن يكون نبياً”، ولما كبر قليلاً عرف أنه قد حقق أمنيته بطبعة القرن الحادي والعشرين، فصار شاعراً. .. أما العبد لله، فقد انتظرت حتى التاسعة من عمري دون أن يسألني أحد “تحب تطلع إيه؟”، فسألت نفسي وأجبتها، وحملت الإجابة إلى والدي على شكل هذا السؤال: ” اللي يحب يبقى رئيس وزراء… تفتكر يدخل كلية إيه؟”.. فنظر إلى بخليط من الإعجاب والدهشة، وقال لي: “ما دمت طموحاً لهذه الدرجة، فلماذا لم تفكر في أن تكون رئيساً للجمهورية”، فقلت على الفور: “فكرت… بس ما أحبش أطلع ضابط”!!

الأمر إذن لا يتعلق بالموهبة فحسب، وإنما بالقرار الشخصي، فقد اختار الشعراوي أن يكون داعية لا شاعراً، واختار الغزالي أن يكون مفكراً لا أديباً، واختار إبراهيم ناجي أن يكون شاعراً لا طبيباً… ومن اختار أن يكون أمير الشعراء… فسيكونها بإذن الله بالمسابقة وبغيرها.

…..

طموح أحمد بخيت لتكون له صفحة خاصة في سفر الشعراء الكبار على مدار التاريخ العربي طموح مشروع، ما دام يسعى لتحقيقه بمثابرة وعزيمة، وما دام يستحقه بموضوعية وحياد. بل إني أعتبره في حالة أحمد بخيت واجباً ومهمة أكثر منه حقاً ورغبة.

وأحمد بخيت أكثر شعراء جيله بحثاُ عن صوته الخاص ومعجمه الخاص وصوره الخاصة وأدائه الخاص، و من كان هذا حاله …فلا يغضبه أكثر من أن يوضع في مقارنة مع غيره من الشعراء الكبار ولو بغرض الإشادة، ومع ذلك فلا أملك وأنا أتحدث عن مغامرتي أحمد بخيت بالكتابة للطفل وعن الطفل، وكتابة الشعر الديني إلا أن أستدعي إلى الذاكرة تجربة أمير الشعراء أحمد شوقي (1868- 1932)، وبين التجربتين مائة عام كاملة، يمكنك أن تملأ هذه الفترة بما شئت من فروق في المعطيات المدنية لتنتهي إلى ما شئت من استنتاجات عن فروق في اللغة والمشاعر. 

كتب أحمد بخيت ديوان “صغير … كبير”… وهي مخاطرة يمكن أن تذهب بكل جهوده لوضع نفسه على خارطة الشعر العربي جغرافية وتاريخاً.. لكنه غامر وعبر بسلاسة، وشارك في أمسية خاصة للأطفال في سلطنة عمان

المزيد


المهنة: شاعر (4)

يونيو 4th, 2008 كتبها  وائل عزيز نشر في , قصائد منسية

تابعت المشتركين في مسابقة أمير الشعراء العام الماضي، وتعجبت أني لم أجد اسم أحمد بخيت بينهم، سألته عن أسباب تأخره عن المشاركة في العام الماضي، قال: ممدوح، وعن أسباب اشتراكه هذا العام قال: ممدوح. أصيب ممدوح ابنه في حادث سيارة قبل بدأ مسابقات العام الماضي، ولازالت رحلة العلاج مستمرة … ولذلك هو يشترك هذا العام!!

لا يخجل أحمد بخيت من الفترة التي كتب فيها الأغنية “ليشتري الحليب لأطفاله”، لأنه على غير استعداد لتقديم تنازلات مهما كانت الظروف، وهي مثلها مثل فترة التدريس في الجامعة، لا شبهة فيها إلا أنها عطلته عن مشروعه، وحادت به قليلاُ عن اختياره. فضلاً عن أن المناخ الفني لم يكن صالحاً لكي تنبت فيه زهرة عطائه بألقها الفتان.

……..

لا يخشى أحمد بخيت الحسد، لكن قلقه واهتمامه بالتجويد في كل إنتاجه يصيبه بثلاثة أمراض قاتلة: توتر وتحفز، انفعال وضيق خلق، واكتئاب. تأمل في تركيبة هذه الصفات حين تستقر وجدان صعيدي موهوب، تعرف لماذا هو متهم ممن لا يعرفه بأنه مغرور، ولماذا يخشى عليه محبوه من الموت المبكر. وما في الموت تبكير ولا تأخير. وإنما لا بأس من الموت إذا اقترب من العرفان…وهو القائل:

أراوغُ
شهوتي للموتِ

منذُ صرختُ

في الميلادْ

وأعبرُ برزخي

وأعودُ

منتصراً

على الأبعادْ

لكي أصطادَ خُلدَ الروحِ

قبل تحلّلِ الأجسادْ.

……..

لا يحتفظ أحمد بخيت بنفس هدوئه حين يتهم بالنزارية، أو بأن به صدى من فاروق جويدة، وهو يحاول اختيار أكثر العبارات تهذيباً للتعبير عن مفارقته لهما، لكنه شاء أم أبى محاصر بجمهور نزاري التوجه. و لا ينكر أحد أن نزار حرث للأجيال التالية أرضاً ظلت مهجورة لمئات السنين، حين جذب للشعر العربي جمهوراً من خارج دائرة النخبة، ولكن جيل السبعينات والثمانينات أهدر هذا الإنجاز خوفاً من تهم المباشرة والسطحية والابتذال.

وكان على أحمد بخيت وزملائه أن يخاطر من جديد ليصل بشعره إلى الناس حيث يجلسون ويفكرون ويتطارحون الغرام ولعن الحكام، حتى لو كانت تهم النقاد جاهزة بابتزاز مشاعر الجماهير، واستدعاء الآهات من حلوقهم.   

وأحمد بخيت – لأنه ينشد الإرث الخالد، ويطلب لؤلؤة اليقين الشعري على حد قوله -  واع جداً لهذه المعادلة المستحيلة: صدق القضية، عمق المعنى، وأصالة التعبير، وسهولة الوصول.. معاً وبنفس الدرجة.

ويستطيع أحمد بخيت بخبرته وذكائه أن يجنب نفسه شهوة استجداء رضا الجماهير أو سرقة آهاتهم : “ بقصائد حب سطحية متهافتة‏,‏ أو بهجاء سياسي مباشر وفج‏,‏ أو بأنين إنساني متخاذل لا يوقظ القلب والروح والإرادة‏”. ومع التلوث الذي يخنق الضمير، يرى أحمد بخيت أن مهمة الشاعر الأساسية هي: “ مساعدة الإنسانية لكي تنعم بالحياة بشكل أفضل‏,‏ أو علي الأقل تتحملها بشكل أفضل“.

وأحمد في رحلة بحث مستمرة عن الكتابة الحقيقة التي تصل إلى القلب. يقول: أكتب شعري عاري القلب وكثيرا ما أقرأه على الناس عاريا حتى القلب فأشعر بهم ويشعرون بي وتلك هبه الله التي أحمده عليها والذي تعدل عندي وتفوق أعظم الجوائز الأخرى.

و حديث أحمد بخيت كشعره ونثره يتميز بالتدفق والعذوبة.

وأنت لا تملك إلا أن تعجب ببيته الشهير:

ولست وسيماً ولكنني أكون وسيماً وأنت معي

وكنت أسأل نفسي كم استغرق من وقت ليخرج بهذا المعنى، ووجدت الإجابة بشكل غير مباشر، حين قابلته قبل أسابيع في أبو ظبي، وقد تحلق حوله مجموعة من المشتركين في المسابقة، وعرفته بنفسها إحدى الشاعرات من سوريا، فقال على البديهة: “خلق الجمال شامياً”. المعاني الجميلة لا تستغرق وقتاً في خلقها، إنها تضيء كمصباح الكهرباء.

أحمد بخيت لم ينبت في فراغ، ولا زال يدين بالفضل لطاقات شعرية مبهرة اختار منها: الشنفرى وأبو تمام والمتنبي وشوقي والفيتوري وأمل دنقل ومحمود درويش، وطاغور وجلال الدين الرومي وبودلير وأراجون.

و يشتكي أحمد بخيت من غياب حركة نقد تطبيقي فاعلة، ومن عجز معظم النقاد عن اقتحام اللحظات الإبداعية بكتابات علمية كاشفة ونزيهة، بل ومن عجز بعض النظريات، أو على الأقل استيعاب بعض النقاد لها وتمكنهم منها من مساعدة المبدع والمتلقي على كشف أوجه القصور أو التميز في النصوص الأدبية، خاصة أن عدداً من هذه النصوص هي تجارب لم تنضج ثقافياً، إما لكونها تحرث أرضاً جديدة، أو أن أصحابها قليلو الخبرة ‏. والسؤال الأهم في علاقة الناقد بالمبدع، هو من يكتب تحت رحمة من؟ أو من يكتشف من؟ أو من يستمد مرجعيته من من؟

….

لأسباب موضوعية، وبغير استباق للأحداث، ومع مسك كل أنواع الخشب والحديد والمناديل الورقية، فإن أحمد بخيت هو أحد المرشحين بقوة للجائزة.. وسيرته الذاتية تشهد باحترافية واضحة في حصد الجوائز – خاصة إذا كانت أحد المصادر الأساسية لدخله المادي-

-         الجائزة الأولى في الشعر المجلس الأعلى للثقافة أعوام 87-88-1989 م.

-         جائزة أمير الشعراء أحمد شوقي عام 1998م.

-         جائزة (المبدعون) لأفضل قصائد عربية - الإمارت -2000م.

-         جائزة المنتدى العربي الأفريقي - أصيلة - المغرب -2000م.

-         جائزة الدولة التشجيعية في الشعر - مصر - 2000.

-         جائزة (المبدعون) لأفضل دواوين عربية - الإمارت -2002م.

-         جائزة ” البابطين للإبداع الشعري ” - الكويت- عام 2002م

-         جائزةالشارقة للإبداع في أدب الاطفال2005.

-         جائزة البردة الشريفة- أبوظبي 2005

-         جائزة شاعر مكة محمد حسن فقي- مؤسسة يماني الخيرية – 2005

….

ومع ذلك فأحمد بخيت منزعج من التجربة، ومن تداعياتها، ومن الآثار التي يمكن أن تنتج عنها فيما يخص علاقته بالمجتمع الثقافي العربي.. خلال فترة المسابقة وبعدها… وقد بدأت شواهدها على صفحات الجرائد، وفي بعض مواقع الإنترنت، بشكل مستفز يتحول معه الشعر العذب إلى ميدان معارك عنصرية ومذهبية تستخرج أسوأ ما في الناس، ولا تدع لهم فرصة … ولولا أن أحمد مناضل عنيد لفضل الاحتفاظ بشاعريته لجمهوره.

بمعنى من المعاني… فإن أمير الشعراء … ليس منافسة على رئاسة كالمنافسة بين هيلاري كلينتون وباراك أوباما… وإنما “اصطفاء”… والمصطفى لا ينبغي أن يدخل في منافسة ليتم اصطفاءه… وما دمنا لا نثق فيمن يقومون بالاصطفاء، فليس أمامنا سوى خوض التجربة حتى نهايتها، حتى لو كانت لنا تحفظات على شروطها، وآليتها..

….

هذه مقاطع من قصيدة “قمر جنوبي”… التي كتبها أحمد بخيت عن والده، والتي استخدمها كتعويذة للمرور في الأدوار التمهيدية للمسابقة… سيتضاعف إحساسك بهذه المعاني وصدقها وإنسانيتها، لو قدر لك أن تسمعها مباشرة من فمه… فلا تبخل على نفسك بهذه المنحة..

 

قمر جنوبي

لا تنتظر خِصْماً أقل شجاعةً

وارفعْ جبينَكَ

مثلما  عوَّدتنا

تتبرجُ الدنيا

المزيد


المهنة: شاعر (3)

يونيو 2nd, 2008 كتبها  وائل عزيز نشر في , قصائد منسية

الشهادة النقدية الأزهى في تجربة أحمد بخيت الشعرية هي شهادة  الناقد الكبير صلاح فضل قبل عشر سنوات، حين كتب عنه في جريدة الأهرام متخلياً عن حذر النقاد وبخلهم الفطري: “أدخل رهانا نقديا على اسم شاعر شاب سيتألق بوهج مثير للدهشة في دنيا الإبداع، ليصبح شاعر مصر الأول. إنه أحمد بخيت.. الذي تخطى الثلاثين بقليل، وبهر كل من تعامل مع شعره، بقوته، وعرامته، وصدقه.. بنبضه الكلاسيكي الحي وقدرته على إعادة الشباب للقصيدة العربية… إنه وريث المتنبي، والأمل الموعود للشعر الحديث“.

ومع عظيم الامتنان والعرفان للناقد الكبير و كل النقاد العرب،  فإن أحمد بخيت يرى أن ناقديه الأساسيين هما الزمن والناس، أما ما يكتبه النقاد المتخصصون فهو مجرد انطباعات شخصية، لا تخلو من نزق ومزاجية ومجاملات مهما ارتدت ثوب العلم وحاولت الاتشاح بالنظريات. يستقبل رأي الناس تصفيقاً أو استهجاناً فور أدائه القصيدة، وينتظر الزمن ليقول كلمته الأخيرة فيما يستحق الخلود، وما يذبل عاماً بعد عام.

و بمزيج من الثقة في قدراته التي بناها بدأب ومعاناة صادقة، والتخوف من اتهامه بالغرور وهي تهمة جاهزة لكل المجاهرين برفض القبح وابتكار الجميل، يرى أحمد بخيت أنه لا يكتب قصيدة عمودية، ولا يكتب قصيدة التفعيلة، ولكنه يكتب ما أسماه القصيدة ال “نيو كلاسيك” التي وصفت بها أعمال أبي تمام قبل عدة قرون، حين قال عنه ابن العمودي “لو كان ما يكتبه أبو تمام شعراً، فكل ما كتب الشعراء من قبله باطل”. و أحمد لا يجد حرجاً في أن يعلن – عن علم ودراسة، ودون رغبة في الجدل والتحدي:  “إن قصيدتي أكثر اختلافا و تجاوزا من قصيدة أبي تمام”.

وبأسلوب النملة الصابرة الذي جربه محمد عبد الوهاب وأم كلثوم في العشرينات من القرن الماضي حمل أحمد بخيت سمرته وفصاحته ونبله على كاهل موهبته الجارفة وطاف جامعات مصر وقصورها الثقافية ومقاهيها العامة دون أن يحتضنه أحد، وبعدها توجه إلى طنجة وسرت ومسقط وميونخ وروما والرياض وصنعاء والأحساء والشارقة وأبو ظبي والكويت دون أن يسوق له ناقد أو صحفي أو ناشر أو مدير أعمال.

ولكن هذا لم يترك لديه غصة من أي نوع، بل كان يراه منطقياً واختباراً حقيقياً لصدق الموهبة وعمقها، فالمجتمع الثقافي العربي جبان، ويرى التجاهل والإنكار فضيلة أكثر أمناً من مخاطرة التبشير بصوت جديد فرصه في الاستمرار متأرجحة، فإن نجح فلا بأس بمديح متأخر فائق الإفراط في الكرم، وإن كانت الأخرى فقد “كفى الصمت غير المؤمنين شر المنافسة”.

والأمر عنده مبني على ثقة المبدع في ربه وإنتاجه: “علي كل مبدع حقيقي أن يسير ولا يلتفت، يكتب ولا ينتظر، يعمل ولا يأمل إلا في الله وفيما يكتب”.

…..

قبل عشر سنوات بالتمام والكامل، وحين فاز أحمد بخيت بجائزة الدولة التشجيعية في مصر عن ديوانه “ليلى شهد العزلة”، وكان قد تجاوز الثلاثين بسنوات، قال عن أعماله: “إنها مجرد تمارين شعرية وقد آن الآوان لنكتب شعرا حقيقيا‏.‏ وإذا اتسع العمر قليلا فسيكون هناك الكثير من الشعر الذي تنبغي كتابته‏.” وقد كتب بعدها مئات الأبيات، وشارك في عشرات الندوات، ونشر عدة دواوين، ومع ذلك فلا أعتقد أنه سيقول كلاماً مختلفاً اليوم، ولا بعد عشرين سنة.

وأحمد بخيت مثل كل المبدعين الحقيقيين ينظر إلى ملفات قصائده على حاسوبه الشخصي، ويخاطبها: “ألم يكن ممكناً أن تكوني أصدق؟”، - لا يستخدم مثلي كلمة أفضل- ، كما أنه يتابع تجارب الآخرين بعناية ودأب، ويقول: “أنا ابحث بهدوء وصبر عن قصيدة  لي في  الشعر، وإسرائي مستمر من الشعر العتيق إلى الشعر الأقصى دون تعصب أو تبعية غير مبصرة. وأحترم اجتهاد الآخرين وبحثهم عن قصيدتهم أينما شاءوا شريطة أن يقدموا إبداعا  جميلاً.”

ويرفض أحمد بخيت تصنيف شعره، فلا هو شعر عمودي، ولا هو شعر رومانسي، بل هو حسبما يراه: “شعر إنساني”، يسيح في واقع ويعبر عن حاضر –رغم كل شيء – “إنساني أيضاً”.

وهو لا يرفض تجارب الآخرين في قصيدة النثر أو غيرها، بل ويرى أنه ليس من حقه أن يرفض تجارب إبداعية جيدة في شكل ما لمجرد أنه لا يتبني أو لا يرتاح لهذا الشكل من الكتابة.

ويعترف أحمد بخيت بصخب موسيقاه الشعرية، ولكنه لا يعتذر عنها، و يقول: “الموسيقا سجن يحبس الناظم الرديء وحصان ينطلق بالمبدع الموهوب في فضاء رحب. وبالنسبة لي سأكتب في أي شكل عندما تحتاج تجربتي له‏.‏ الشعر الجيد ليس زهرة موسمية بل لؤلؤة حقيقية. وسيجد الشعر الجميل دائما من يقدره.”

…..

لا يخجل أحمد بخيت من بداياته الفقيرة، كما أنه لا يتاجر بها…

يقول عن أيام حياته الأولى في القاهرة، وكانت قاسية بعد أن أحضرهم الوالد إلى القاهرة باقة من البراعم الصغيرة، وتركهم مع أمهم في بيت بسيط بجوار شط النيل قبل حلوان، يبحث عن لقمة عيش شحيحة في ليبيا ثم في العراق ، يصارعون الغربة والوحشة والفقر   “لم يكن أمامي إلا الكتاب، وعندها فهمت معنى أن أكون صخرة نفسي، حيث لا مجال لرفاهية الفشل. فهمت أنه لكي تعيش بكرامتك بين أطفال – حقا – ولكنهم متوحشون – أيضاً- ، فعليك أن تكون متفوقا حتى الموت.  التفوق ينجح أحياناً في أن يلعب دور المال، ويكسبك الحب والاحترام “

…..

بعض أحمد بخيت منشور في الأبيات التالية… وبعضه الآخر في دواوين أخرى… ومعظمه لم يكتب بعد…

….

أتينا

من صعيدِ الشوقِ

أفئدةً جنوبيّةْ

نفتّشُ

تحتَ وجهِ الشمسِ

عن خبزٍ

وحرّيّةْ

وعن بيتٍ نربّي فيهِ

لهجتَنا الصعيديّة!!

….

(حَوَارِي) مِصْرَ

حانيةٌ على الفقراءِ

كالسكِّينْ

تدسُّ خشونةَ الأيامِ

في أبنائها الماشينْ

وتُشبِعُ جُوعَ تَوْرِيَتِي

وتدعوهم

حَوَاريِّينْ!!

….

أنا

هو ذلك الولدُ

المصابُ بكبريا

المزيد


المهنة: شاعر (2)

مايو 26th, 2008 كتبها  وائل عزيز نشر في , قصائد منسية

لم أر أحمد بخيت ولا مرة واحدة خلال الخمس عشرة سنة الماضية، لكني كنت أتابع أخباره، وجوائزه وأسفاره، ومثله يتابع.

وحين طرقت باب غرفته –مع صديقنا ممدوح الشيخ - في فندق انتركونتنتال على شاطيء الخليج العربي في أبو ظبي قبل عدة أسابيع، تأخر في الفتح… قبل أن يشهق لرؤيتي ويسقط الأرض في حركة مسرحية تليق بشاعر كبير وهو يردد.. “مش ممكن… مش ممكن”. مكثنا قرابة الساعة قبل أن يطلب منظم الرحلة من جموع الشعراء الضيوف من معظم الدول العربية أن يركبوا الحافلة في اتجاههم إلى المسرح للإعلان عن التصفية الأخيرة في هذه الجولة من مسابقة “أمير الشعراء”. وعرفت فيما بعد أن أكثر من أربعة آلاف أرسلوا أعمالهم إلى اللجنة، تم دعوة 300 منهم لإلقاء أعمالهم أمام اللجنة، في اليوم الأول تم اختيار 70 منهم واستبعد الباقون، وبعد ساعة سيتم الإعلان عن 35 متسابقاً سيواصلون الرحلة الشاقة الممتعة، وكما كان متوقعاً… كان أحمد بخيت واحداً منهم. تحركت الحافلة تحمل الشعراء والشاعرات بدخان تبغهم وتوترهم وجنوحهم، وركبت سيارتي عائداً إلى دبي… بعدها بساعات كان أحمد بخيت على متن طائرة أخرى إلى الجزائر، قبل أن تعيده طائرة ثالثة إلى الشارقة ضيفاً في ملتقى الشعر الذي تنظمه دائرة الثقافة، وهناك قابلته للمرة الثانية خلال أسبوعين، وتحدثنا طويلاً.

……

 حين كان أحمد في السادسة من عمره سألت المعلمة الفصل: “تحبوا تطلعوا إيه يا أولاد؟”، وتسابق الأولاد في اختيار المهن بين طبيب ومهندس وضابط وممثل وميكانيكي. وسكت أحمد بخيت، اقتربت المعلمة منه وسألت: وأنت يا أحمد يا حبيبي تحب تطلع إيه؟” ثبت عينيه في عينيها وهو يقول: “أحب أطلع نبي”.

بعدها بخمسة وثلاثين عاماً، سألت أحمد بخيت بسذاجة: “أنت بتشتغل إيه؟”، فنظر إلي في استنكار وكأني لا أعرف وقال: “باشتغل شاعر”، واصلت ادعاء السذاجة قائلاً: “أيوه .. أقصد بتشتغل فين؟”، قال: “بأشتغل عند نفسي وجمهوري”، قلت: “أكيد انت فاهمني… عيالك بيآكلوا منين؟”، قال: “من الشعر”. وادخرت لنفسي كلمة تقافزت على الشفة: “يا مجنون!”.

…..   

إيمان أحمد بخيت بموهبته جعله يتخذ هذا القرار الانتحاري، القرار الذي لم تجرؤ على مثله هامات مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم، ومن الشعراء صلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي ونزار قباني ومحمود درويش… وفي زمن كان يسمح بمثل هذه المجازفة…

لم يشأ أحمد أن يكون هذا موضوع حديثنا بعد سنوات من الافتراق، فأحالني أحمد لحوار أجراه معه أحد الصحفيين قبل سنوات، وفيه تعرفت على وجهة نظره..

يقول عن تفرغه لمشروعه الشعري: “بعض الأمور يجب أن تحدث حتى ولو بدت في نظر البعض عملا انتحاريا. أردت أن يكون ذلك  قبل الشهرة لا بعدها،  ليكون التفرغ اختياريا وليس قسريا بعد انتهاء الخدمة “

ويقول في جرأة وثقة: “من الأمانة أن يعلن أن الكاتب أنه ليس بحاجة إلى ألقاب أخرى ولا إلى عمل آخر فهو يمارس بالفعل عملا جادا وهاما ومنتجا ويجب أن يكفل له معيشة كريمة. الكتابة ليست استراحة المحارب ولكنها حربه ذاتها التي عليه أن يخوضها بأقوى طاقاته”.

ويقول عن الهواة من أمثالي: “هناك من يكتب للمتعة، لا بأس، لكن عليه أن يعترف بشجاعة أنه يحب الشعر لكنه ليس شاعرا، يستمتع بكتابة القصص لكنه ليس روائيا. نعم لا تؤمن الكتابة في عالمنا العربي للكاتب معيشة كريمة وهذا احد أهم الأسباب في تحولها من وظيفة  إلى هواية،  وهذا إهدار للجزء الأكبر من طاقة المبدعين الحقيقيين في أمور أخرى غير الإبداع وفي قبول ضعاف الموهبة  أدعياء الأدب داخل هذا النادي المجاني والاستفادة بميزاته دون ضغط أو مسؤولية”

ويرى أن الكتاب الحقيقيين لديهم مسئولية لتغيير هذا الواقع، ليس على المستوى الفردي بل على المستوى القومي: “الكتابة هي متن العمل الثقافي ومتابعتها وتقويمها وإدارتها وتسويقها هي هوامشه الهامة أيضا. ما يحزن أن الهامش احتل الصدارة والمتن بصدد التحول إلى حاشية ولهذا السبب الثقافة العربية كسيرة الظهر كأم الأيتام .”

كما يرى أنه لا أمل في أن تنال الثقافة والكتابة مكانتها التي تستحقها دون تغيير من الجذور على المستوى الشعبي: “ثمة إساءة واضحة في استمرار النظر إلى الكتابة كزينة مضافة وليس كضرورة إنسانية ، كهواية مترفة وليس كتطبيب روحي، كنزهة مرحة وليس كعمل بطولي لا يقل أهمية عن مكافحة الإيدز والسرطان.”

 …….

والحق أنه لم يكن لي أن أتعجب من هذا المنطق، من شاعر يؤمن بموهبته وقدراته إلى حد الاتحاد معها، والانصهار فيها… لم يكن

المزيد


المهنة : شاعر (1)

مايو 24th, 2008 كتبها  وائل عزيز نشر في , قصائد منسية

عرفت الشاعر المتألق دائماً الموهوب رغم إرادته أحمد بخيت عام 1985 في كرمة ابن هانيء (دار أمير الشعراء أحمد شوقي).

كنا دون العشرين طالبين أنا في الهندسة وهو في دار العلوم.. جمعنا ميكروفون واحد… وجمهور واحد.. وهمان واحدان (الحب والحرية) .. وكان اختلاف طريقة كل منا في الأداء مؤشراً لاختلاف رحلة كل منا في الحياة وإن اتحد الهدف. كنت أسبقه في العمر بعام (في الحقيقة بشهرين فأنا مواليد ديسمبر 1965، وهو فبراير 1966)، وهو يسبقني في الموهبة بعدة قرون.

في هذا الوقت، وكنت لا زالت أتوارى خلف خجلي تعرفت على مجموعة رائعة من الأصدقاء، سمير فراج وممدوح الشيخ وصلاح عبد الله وإيهاب البشبيشي وحمدي عبد الرازق وأحمد نبوي وإيهاب غريب وأشرف أبو جليل، وغيرهم… أقلهم موهبة أصدق فطرة وأعظم نظماً وأعمق ثقافة بل وأغزر إنتاجاً ممن يملئون اليوم  فضاء الإعلام بقصائد باردة الإحساس مشوشة التراكيب فجة المصنعية.

لا مجال لمقارنة محاولاتي بموهبته، ولا اجتهاداتي بملكاته، ولا إنتاجي بإنتاجه… ولكن التمسح بالعباقرة فيه مع الاستغلال متعة.

كنت أكتب الشعر بتحد على طريقة: ما هو هذا الشعر الذي لا أستطيع أن أكتبه؟ وكان يكتبه بعفوية على طريقة: ما أطعم هذا الماء الذي أشربه؟

كنت أكتبه بطريقة: المخترع الصغير: القصيدة عندي دائرة كهربية أو برنامج حاسوب، وكان يكتبه بطريقة: المبدع الكبير: القصيدة عنده صور فريدة، وتواريخ حية، ومفاجآت مستحيلة.

ولتعرفوا حجم المفارقة وعمقها وكثافتها …. فقد كانت معارضاتنا من نوع خاص..

فأنا أكتب أشياء من نوع:

الفأس بلا حد ليست فأساً

بل قطعة خشب وحديدة

….

ويكتب أشياء من نوع:

مِن أجلِها

من أجلِ خُصْلَةِ شَعْرِها

قبضتْ على جَمْرِ النشيدِ

يَميني

ووقفتُ في المُدُنِ المباحةِ

صارخًا

إنَّ القصيدةَ لم تزلْ

سِكِّيني ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!

…..

وأكتب:

الموكب الملكي سار

والطرقات خالية من الجمهور…

الموكب الملكي سار…

بين الشجرة والشجرة شرطي

بين الشرطي والشرطي شجرة..

شجرة شرطي شجرة شرطي شجرة شرطي … ش

من قتل الملك؟

شششششششششششش

ويرد:

….

ما مرَّ طاغيةٌ

أمامَ حديقةٍ

إلا ومات الوردُ في الأكمامِ

لم يبتَسِمْ يومًا

أمامَ كِلابِهِ

إلا وسالتْ دمعةُ الأيتامِ

لم ينكفِىءْ يومًا

علي مَحْظيَّةٍ

إلا ودبَّ العُقْمُ في الأرحامِ

مأساتُنا عِشْقُ الطغاةِ

كأننا

لم نَنْسَ – بَعْدَ – عبادةَ الأصنامِ !!

……….

أكتب:

من لي بمفرمة تستقبل الأشعار في جنب

وتحيلها خبزاً في الجانب الآخر..

ويرد:

لا تقتلونا بالمراثيَ

لا تحبُّونا

خُطَبُ

لا تفصِحوا

بلسانِ ” حمزةَ “

عن ضميرِ ” أبي لهبْ “

لا تزرعوا في خضرةِ الزيِتونِ

ذاكرةَ الحطبْ

لا يَرْدَعُ الحطَّابَ إلا

ما تيسَّرَ

مِنَ غضبْ

…..

عندما التقينا لأول مرة كان الفرق واضحاً..

أحمد بخيت شاعر مطبوع يدرس في دار العلوم، ووائل عزيز طالب هندسة عنده أفكار وقضية…

وكانت المفارقة أنه نجح بتفوق بسبب الشعر وتم تعيينه معيداً… أما أنا فلنفس السبب (الانشغال في الندوات الشعرية والمقاهي الأدبية) ضاع مني الامتياز وخسرت فرصة التعيين..

ولأن كل إنسان ميسر لما خلق له – فقد استقال من الجامعة وتفرغ لمشروعه الشعري الخالد، بينما انتهزت كل وقت فراغ في عملي وحصلت على درجتي ماجيستير ودرجة دكتوراه وأعد للثانية…

ولعل هذا هو ما جمعنا، ووثق علاقتنا…

خرجنا من كرمة ابن هانيء، وعبرنا كوبرى الجيزة إلى محطة الملك الصالح، ركبنا نفس المترو، نزلت في محطة دار السلام، وواصل طريقه إلى محطة كوتسيكا.

ومن يومها ولدت علاقتنا الممتدة…

وبعدها بعدة أعوام، نشر أحمد بخيت في دار الحقيقة للإعلام الدولي التي أنشأتها فور تخرجي من الكلية: أول كتابين في حياته، وكان لا زال طالباً في الكلية:  “عبقرية الأداء في شعر المتنبي”، و ديوانه: “وطن بحجم عيوننا”…

الذي أشرف الآن بتقديم فقرات منه … دون أن أعاني في اختيارها.. فكل ما كتب جميل وصاف وصادق…

 …..

قلبي على سفرٍ

وأنتِ مثيرةٌ

كشذا قَرنفُلةٍ يمرُّ

عَلَى رِئةْ

جئنا

مِنَ الزمنِ العدوِّ

كما أتتْ

مِنْ ظُلْمَةِ الأصدافِ

أروَعُ لؤلؤةْ

 

لم ينتصرْ رجلٌ

لدمعةِ شَعْبِهِ

ما لم تباركْهُ

بدمعتِها

امرأةْ !! ‍‍‍

………

يتساءلونَ مَنْ التي أحببتُها ؟

ماذا أريدُ

أريدُ نِصْفَ نبيَّةْ

تقسو قلوبُ الناسِ

وهْيَ غفورةٌ

وتخونُني الأيامُ

وهْيَ وفِيّةْ

وتكونُ واضحةً كشمسِ

بلادِنا

وعميقةً

كقصيدةٍ صوفيّةْ

 

ووقورةً

كصلاةِ قلبٍ خاشعٍ

وطَروبةً

كالنسمةِ البحريّةْ

وتكونُ ناعمةً

كصُبْحٍ ممُطْرٍ

وقويةً

كالمهرةِ البدويّةْ

فيها من النيلِ العظيمِ

تواضعٌ

المزيد


لا الكلب يمكنه النباح ولا قوافلنا تسير - شعر

نوفمبر 17th, 2006 كتبها  وائل عزيز نشر في , قصائد منسية

مهداة للأخ الأديب الكبير.. محمد وجدي 

يا سيدي..وقفت ذبابات ثلاث فوق عيني
ما قدرت أهشها ويداي من خلفي مقيدتان..

يا سيدي..وقفت ذبابات ثلاث فوق عيني
ما قدرت أهشها .

.فغمزت طارت..

وغمزت طارت ثم عادت تنهش الرمش الخفيف كأن

المزيد