مئوية محمود شاكر

أغسطس 11th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , يا ولدي.. هذه أمتك

بقلم - حمدي عبد الرحيم - جريدة الشروق

قرأت أن رجلين كانا يتحدثان أسفل منزل موسيقار إيطاليا الكبير «فيردى» ولاحظ أحدهما أن صاحبه يتحدث بصوت عالٍ فقال له منبها: «اخفض صوتك،ففردى مريض»!

وقرأت أن السلطات الإيطالية قد كست عجلات العربات التى تجرها الخيول جلدا سميكا لكى لا تحدث صوتا يزعج «فيردى» فى مرضه!.
هذا عن معاملة «الغرب» لأفذاذه، فماذا عن شرقنا السعيد؟

هاتفت الدكتور عمادالدين أبوغازى المشرف العام على شعب ولجان المجلس الأعلى للثقافة وسألته: هل وصلت المجلس دعوة للاحتفال بذكرى مرور مائة عام على ميلاد العلامة الشيخ محمود محمد شاكر؟. أجاب غازى: إلى الساعة لم تصلنا أى دعوة.

من ناحيتنا نناشد الأستاذ على أبوشادى الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة تحمل مسئولية إقامة احتفالية تليق بذكرى الراحل الكريم، المناشدة قائمة حتى ولو كان قد فاتنا يوم وشهر ميلاد الشيخ شاكر، فيكفى أننا مازلنا فى نفس العام.

هذا الشبل من تلك الأسود
هو محمود بن محمد شاكر بن أحمد بن عبدالقادر، من أسرة أبى العلياء، من أشراف جرجا بصعيد مصر، ويصل نسبه إلى الإمام الحسين بن على رضى الله عنهما. ولد فى الإسكندرية ليلة عاشوراء من عام 1327هـ الموافق أول فبراير من عام 1909م.

نسبه الجليل سيلقى عليه بمسئولية تحملها راضيا ودفع ثمنها كاملا غير منقوص، نحن أمام رجل وقف والده الشيخ «محمد شاكر» وكان وكيلا للأزهر الشريف فى صحن مسجد «المبدولى» وبحضور السلطان حسين كامل وأكابر الدولة المصرية، وأعلن فى الجمع المحتشد أن «جمعتهم باطلة، وأمرهم أن يعيدوا صلاة الظهر لأن خطيب جمعتهم قد تعرض للرسول بسوء». فما كان من السلطان إلا الطاعة والتسليم.

جد شاكر الأول هو الحسين بن على الذى كان مطالبا بكلمة واحدة ينجو بها من الذبح «بايعت يزيد» ولكنه لم ينطق بها وصاح صيحته الباقية على مر العصور: «هيهات منا الذلة». جد شاكر الثانى هو فارس الإسلام وفيلسوفه على بن أبى طالب كان بنومه فى فراش الرسول ليلة الهجرة أول استشهادى فى تاريخ الإسلام.

أما جد شاكر الأعظم والأكبر فهو أبوالقاسم محمد رسول الله الذى كان إذا حمى وطيس الحرب احتمى به أصحابه. هذه سلسلة من النسب النورانى، كان شعار أفرادها فى حياتهم قول جدهم الأعظم صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يُقرب من أجل، ولا يباعد من رزق، أن يقول بحق ،أو يُذكر بعظيم».

وأبدا لم تمنع رهبة الناس أن يقول أبوفهر الحق كله ولو كان مرا ولو ألقى به فى السجن.

تعليمه وعلمه
تلقى أبوفهر أول مراحل تعليمه بمدرسة الوالدة أم عباس فى القاهرة عام 1916 ومنها انتقل إلى مدرسة بدرب الجماميز، حصل على شهادة الثانوية العامة (البكالوريا) القسم العلمى عام 1925، التحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1926.

مكث بالكلية عامين ثم فارقها إلى غير رجعة، حين شب خلاف شديد بينه وبين أستاذه طه حسين. بداية من العام 1922 تتلمذ على يد الشيخ

المزيد


لماذا أكل الولد الشيكولاته ؟

أغسطس 9th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , يا ولدي.. هذه أمتك

أكل الولد الشيكولاته، فقام مراسلنا باستطلاع آراء مجموعة من المفكرين والسياسيين والفنانين المصريين لمعرفة رأيهم بخصوص هذا الخبر المثير. فجاءت على النحو التالي:

جلال أمين: أكيد الولد كان جعان.

محمد سليم العوا: الشيكولاته حد الكفاية، والبسكوت حد الكفاف.

إبراهيم عيسى: عيل وغلط.

أيمن نور: مكثت في السجن عدة سنوات  لم أتمكن من قضم قطعة شيكولاتة واحدة.

جمال مبارك: هذا من إنجازات برنامج الرئيس: شيكولاتاية لكل طفل في السنة.

حاتم الجبلي: حتى لا يتكرر هذا الأمر أصدرنا اليوم قرارا بمنع تناول الشيكولاته خوفاً من انفلونزا الخنازير.

يوسف البدري: نريد أن نعرف هل تحتوي الشيكولاته على شحوم الخنزير؟

رفعت السعيد: هات حتة.

طلعت السادات: أيام أنور السادات كان عادي الولد ياكل عشر شيكولاتات كل يوم. دلوقت الولد يأكل الشيكولاته بقت عجبة وخبر في الجرنان.

مهدي عاكف: ما قيمة أن يأكل الولد الشيكولاتة إذا كان أبوه في السجن؟

المزيد


الساحر أوباما

يونيو 9th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , يا ولدي.. هذه أمتك

إذا كنت مثلي واحداً من الملايين الذين بهرهم وسحرهم أوباما في رحلته التاريخية إلى المنطقة وخطابه التاريخي إلى العالم الإسلامي من جامعة القاهرة… فربما كانت خمسة أيام مرت على إلقاء أوباما لكلمته كافية للتخلص من حمى أوباما أو إنفلونزا أوباما.

والحق أن الرجل ساحر في طريقته وأسلوبه، وهو يفعل ذلك بنفس القدر من الاحترافية والعذوبة مع أعدائه وأصدقائه على حد سواء، حتى أنه نجح في أن يفقد العالم حساباته، فلم تعد تعرف – مع طريقته المبتكرة تلك – عدو أمريكا من صديقها؟  هل لا زالت كوبا وفنزويلا دولاً مغضوباً عليها؟ وهل لا زالت كوريا الشمالية وسوريا وإيران محور الشر؟ ومن في فرنسا وألمانيا العدو من الصديق؟

في اجتماع العشرين الذي عقد قبل عدة أسابيع لمناقشة الأزمة العالمية قال: جئت لأستمع وأتعلم، وحاول ساركوزي وميركوري وضع العقدة في المنشار ولكنه أبطل محاولاتهما وخرجت القمة بقرارات تفوق المتوقع. وعلى هامش المؤتمر أصدر بياناً رئاسياً مشتركاً مع الرئيس الروسي حلا فيه قضايا ظلت عالقة لسنوات، و فعل الشيء نفسه في اجتماعات دول أمريكا الشمالية مع اللاتينية حين تبادل الحديث مع شافيز وفتح صفحة جديدة للتعامل مع كوبا، ثم عاد وفعل الشيء نفسه في خطابه في جامعة القاهرة حين قال إن قيم حقوق الإنسان وحرية العبادة وتداول السلطة ليست قيماً أمريكية تعلمها أمريكا للعالم، وإنما هي قيم إنسانية نادى الإسلام بها قبل قرون. وبهذا الأسلوب الحميمي في الخطاب تبدو السيدة كلينتون بجواره – وهي تكبره بما يزيد عن 15 عاماً – مجرد خيال باهت في مدرسته العامرة بالحيوية والتقارب والاحترام.

 وقد قرأت لكثيرين هاجموا أوباما بعد الخطاب، فلم أجد لأسباب نقمتهم عليه صدى كبيراً في قلبي، لأنهم يعتمدون منهج التشكيك والتوتير والبحث في النوايا.

ورغم أن أسلوب أوباما يمتاز بالمصارحة والمكاشفة وعدم المدارة إلا أن طريقة عرض أفكاره تخلو من الهجوم والاتهام والاستفزاز. وإذا أردت – كعربي ومسلم -  أن تقول إن الرجل لم ينصفني في أحد القضايا فسيشق عليك ذلك، وإذا كنت يهودياً وحاولت الشيء نفسه فلن تستطيع.

والحق أن السياسيين المحنكين لم يقعوا مثلي في أسر الإعجاب بخطاب الرجل الساحر وأسلوبه البليغ وحيويته المذهلة، بل وتجاوزوا –بسرعة - حقيقة أن الخطاب حدث تاريخي فريد ليس فقط بمنظور العصر الحديث ولكن بمنظور التاريخ البشري كله… (تخيل مثلاً أن ريتشارد قلب الأسد يزور القاهرة أو دمشق، ويجمع المشايخ وأهل الحل والعقد، ويخطب فيهم ممتدحاً في الإسلام وطالباً التعاون والبحث عن المصالح المشتركة، وإيقاف حملات

المزيد


أوباما عندنا…..

يونيو 4th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , يا ولدي.. هذه أمتك

باراك بن أوباما عندنا… يا مرحباً يا مرحباً.

شغلنا أنفسنا في الأسبوعين الماضيين بما سوف يقوله أوباما في رسالته للعالم الإسلامي والتي سوف يوجهها من جامعة القاهرة اليوم 4 يونيو 2009.. وكلها توقعات لا تستند على أية معلومات مؤكدة.. حتى أن السيدة داليا مجاهد مستشارة الرئيس للشئون الإسلامية لا تعرف على وجه التحديد مضمون الخطاب، بل وستحضره ليس باعتبارها من الوفد المرافق للرئيس وإنما باعتبارها مدعوة من قبل وزارة الإعلام المصرية حسب ما صرحت للتليفزيون المصري.

وبينما يؤكد البعض أن أوباما سيطرح تصوراً جديداً ومتكاملاً لحل المشكلة الفلسطينية (بالمناسبة اسمها في أمريكا "امن إسرائيل") باعتبارها مفتاح الخطاب للعالم الإسلامي، يؤكد آخرون مثل الدكتور عبد المنعم سعيد أن القضية الفلسطينية سيرد ذكرها عابراً.. وأن معظم الحديث سيكون حول تحسين العلاقات والقيم الإنسانية المشتركة وتخفيف الأجواء المحتقنة والتعاون لمواجهة الأزمة الاقتصادية.

وأرى أن الأهم من التنبؤ بما سوف يقوله لنا أوباما.. هو التركيز فيما نود أن نبلغه إياه، وما نحب أن يعرفه عنا، وما نرغب أن يخرج به بانطباع عن اهتماماتنا وتطلعاتنا..

ويجب أن نحرر عقولنا من التصورات النمطية عن أوباما. فلا هو "المخلص" والمهدي المنتظر، ولا هو المتهم الذي قدم إلينا حاملاً كفنه ليقدم لنا الاعتذار ليغلق ملف الثأر. ويبقى مهماً أن نتذكر دائماً – لنضبط سقف توقعاتنا-  أن أوباما لا هو عربي ولا هو مسلم. وإنما هو أمريكي ويعبر عن المصالح الأمريكية ويبحث عنها، وليس في هذا ما يعيبه ولا ما نلومه عليه.

نحن لا نعرف هل خطاب أوباما للحكام المسلمين أم للشعوب الإسلامية؟ وفي كلا التوجهين مشكلة. فإذا كان الخطاب للحكام المسلمين – المتهمين من شعوبهم بالتراخي أو التواطؤ- فسيخسر الشعوب العربية. وإذا كان للشعوب الإسلامية، فهو يقدم خطاباً في مواجهة خطاب بن لادن والظواهري. وسيكون شاقاً على المسلمين أن يفاضلوا بينهما خاصة أن أمريكا لم تقدم على الأرض أية إشارات تدل على الثقة بها لا في فلسطين ولا في العراق ولا في أفغانسان ولا في جوانتانمو.

نريد أن نقول لأوباما:

نعرف أنك ظاهرة فريدة في السياسة الأمريكية والعالمية. وكنت من أوائل من كتبت عن "ألأوبامية"، واشتريت كتابك “Audacity of hope”   (جرأة الأمل) لأعرفك أكثر، ولكن لم أتمكن من قراءته كله فهو صعب ولغته راقية، وهو يخاطب الأمريكان تماماً… ولكني معجب بك ومتفائل من وجودك على رأس الإدارة الأمريكية. لا أتوقع أن تتصرف لصالحي دائماً، ولكن أرجو أن تبذل الجهد الكافي لتفهمني.

إذا كنت تبدي تسامحاً ورغبة في الحوار وما يشبه الاعتذار عما جرى من سلفك في العراق … فإنك وباليد الأخرى تحرق أفغانستان وباكستان… وشأن هذه السياسة أن يقسم العالم الإسلامي إلى عالمين: عالم إسلامي عربي مع وعود أمريكا… وعالم إسلامي غير عربي ضد سلوكها.. وربما يكون اختيار القاهرة (العربية) محلاً للخطاب هو لتدشين هذه الخطة الخبيثة.. أرجو أن أكون مخطئاً.

الاعتذار عما تم في العراق وفلسطين ليس مجانياً. أمريكا ليست دولة صغيرة تخطيء فنسامحها. ولكنها الدولة الأكبر الآن، وخطأ الكبار خطيئة، وخطيئة الكبار كارثة. وعليك يا سيد أوباما  أن تدرك أن ما أصابنا يحتاج وقتاً كبيراً لإصلاحه. المسلمون في أمريكا عادوا منها إلى بلادهم الأصلية، ولم نعد نرسل أبناءنا للتعليم في أمريكا، ولا نذهب هناك للسياحة، ولا عادت الشركات الأمريكية هي المفضلة في عقود الاستشارات الكبرى والتفط والاتصالات.. وأنا أعلم أن هذا ما جاء بك.. لا بأس لنتحاور ولكن من موقع الأنداد، لا موقع السادة والعبيد.

إننا نريد أن نفهم ما هو تصورك للصداقة والمصالحة والتعاون معنا وبلادك تحتل بلدين من بلادنا (العراق وأفغانستان) – مهما كانت ا

المزيد


دولة محمد الفاتح

مايو 24th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , الفقه الأصغر .. والفقه الأكبر, يا ولدي.. هذه أمتك

محمد الفاتح هو السلطان السابع من سلاطين آل عثمان، ولد عام 833 هـ - 1432 م، وأبوه هو السلطان مراد الثاني، وكانت أمه تدين بالنصرانية (ترهبنت ودخلت الدير بعد وفاة والده). وتولى الخلافة وهو في الثانية والعشرين من عمره.  حكم حوالي ثلاثين سنة، وتوفي مسموماً وهو في بداية الخمسينات من عمره.

أَضاف السلطان محمد الفاتح إلى شخصيته القوية واهتمامه بتحقيق العدل بين أفراد الرعية حصيلة علمية وفيرة في التاريخ واللغات والمعارف الحديثة، كما أنه عرف بالزهد والتواضع، ومحاربة كل مظاهر الترف والبذخ في أسرته والمحيطين به.

كان نجاحه في فتح القسطنطينية بعد عامين فقط من توليه السلطة (29 مايو 1452) أحد الأعاجيب العسكرية والإدارية. وقد سبق فتحها معارك على أكثر من جبهة في أوروبا الشرقية في الصرب وبلجراد والمجر وألبانيا وصقلية وبلغاريا والبوسنة.

 وقصة الفتح نفسها وإصراره على إتمامها رغم العقبات المتتالية والخسائر المتوالية دليل على إيمان عجيب وبصيرة ثاقبة. ولم يكن من أُثر هذا الفتح إنهاء الحكم البيزنطي الذي استمر لما يقرب من 1000 عام فقط، وإنما بداية النهضة لأوروبا الغربية التي سعت لجمع شملها لتواجه التقدم الإسلامي بشكل جديد وأدوات جديدة، لذلك اعتبر هذا الحدث نهاية العصور الوسطى. 

كان السلطان محباً للعلم والعلماء، وحرص على نشر المدارس والمعاهد في كافة المدن والقرى وأوقف عليها الأوقاف العظيمة وجعلها مجانية للجميع، واهتم بنفسها بمراجعة المناهج التعليمية، وتنظيم المراحل ومستوى الامتحانات، وإنشاء المكتبات، وتوفير المدارس الداخلية مع مرتبات شهرية للطلبة، ورغم مشاغله الجسيمة كان يحضر الامتحانات ويجلس مجلس التلميذ في بعض الدروس، ويجزل العطايا والمكافآت للنابغين والمتفوقين. واهتم بعلوم الهندسة والطب قدر اهتمامه بعلوم اللغة والفقه والترجمة.

كما أبدى متابعة جادة للأدب والأدباء، وكان في بلاطه ثلاثون شاعراً يتقاضى كل منهم مرتباً شهرياً واتخذ بعضهم وزراء وأوفدهم في بعض المهام الخاصة، كما أنشأ حركة ترجمة نشطة بين اللغات العربية واليونانية والتركية والفارسية، ويقال إنه كان يتقنها جميعاً.  وأنشأ في قصره خزانة خاصة احتوت على غرائب الكتب والعلوم، وصل عددها إلى 12 ألف مجلد حين احترقت.

كما كان مولعاً بالفنون المعمارية، والعمران المدني. وشهد عصره بناء عشرات المساجد والمعاهد والقصور والمستشفيات (المجانية) والخانات والحمامات والأسواق الكبيرة والحدائق العامة، وأدخل المياه إلى المدينة بواسطة قناطر خاصة. وطالب ولاة الأقاليم ورؤساء المدن بمراعاة نظافة وجمال المدن التي يديرونها. واهتم بعاصمة الخلافة (إسلام بول) (المدينة المليئة بالإسلام)، وقد غير أتاتورك هذا الاسم إلى استانبول.  وجعل هدفه أن تكون أجمل عواصم الدنيا وحاضرة العلوم والفنون في الشرق والغرب. وجعل الخدمات العامة كالتعليم والصحة والتنزه مجانية تماماً للمقيمين في المدينة وزوارها دون تفرقة بين جنسية أو دين.

وأولى اهتماماً كبيراً بالتجارة والصناعة، حتى أصبح الأتراك العثمانيون كبار رجال المال والأعمال في العالم كله، وكانت لهم إسهامات هائلة في تطوير الطرق البرية والبحرية القديمة، كما اهتموا بتطوير الموانيء، وخطت الدولة خطوات واسعة في إنشاء وتطوير مصانع الأسلحة والذخيرة، فضلاً عن الملابس والسروج والدروع.

لم يكن تفوق الجيش العثماني الكاسح بسبب عدد جنوده وإنما بسبب التدريب والتنظيم والمعدات، وقبلها الروح القتالية العالية والانضباط الشديد. ويعتبر محمد الفاتح هو مؤسس الأسطول البحري العثماني، وكانت توجيهاته بوجوب التفوق البري والبحري واضحة، وكان حاسماً في معاملة المترهلين والفاسدين من قادة الجيش والجنود. كما أولى عناية فائقة بما يسمى بالأشغال العسكرية و الخدمات المساندة و الإمداد والتموين، فكان هناك متخصصون في حفر الأنفاق تحت القلاع، وآخرون مختصون بالألغام، وآخرون لشئون السقاية والطعام. كما واصلت الكليات العسكرية العثمانية إمداد الجيش بالمتخصصين في كافة المجالات العسكرية والطبية والهندسية والمساحية.

وابتكر السلطان وسيلة جديدة للمراقبة والحسبة، حين منح بعض رجال الدين النصارى تفويضاً بالتجول بين الناس وبحرية مطلقة في النقد والتسجيل ليتابعوا كيف تدار الأمور، وكيف تصدر الأحكام في المحاكم، وآراء الناس في الحكام والولاة. كما كان السلطان يتوقف في بعض البلدان وينصب خيمته ويدعو الناس للدخول إليه للنظر في شكاياتهم ومظالمهم بنفسه ويتخذ الإجراءات الحاسمة والفورية. كما أنشأ جهازاً للتفتيش القضائي من شأنه أن يراقب القضاة ليس فقط في دراستهم العلمية وإنما في التزامهم النزاهة و الاستقامة في سلوكهم اليومي وأحكامهم. كما اعتنى برفع مرتباتهم ليسد الطريق أمام الرشوة والتربح، كما أحاط منصبهم بما يليق به من جلالة وقداسة. وفي مقابل ذلك كان قاسياً في إيقاع عقوبة الإعدام بالمرتشين والفاسدين منهم.

على أن أهم أعمال السلطان – في رأيي- هو إصداره "قانون نامه" (توجد نسخة عربية منه بترجمة الأستاذ أحمد فؤاد متولي)، أو ما يمكن اعتباره القانون أو النظام العام للحكم. وقد صدر في ثلاثة أبواب وشكلت لجنة من العلماء والخبراء لمراجعته والتأكد من مطابقته التامة لأحكام الشريعة الإسلامية. وجاء في بابه الأول ما ينص صراحة على أن نظام الحكم هو نظام إسلامي وأن هدف الدولة هو تأكيد تفوق العنصر الإسلامي يغض النظر عن أصله وجنسه. وشمل

المزيد


خارطة الطريق

مايو 21st, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , مصر التي في خاطري, يا ولدي.. هذه أمتك

 

هل لو قلت لكم إن فريق البرازيل لكرة القدم إذا التقى الفريق المصري في ريودي جانيرو فإنه سوف يفوز بنتيجة كبيرة يعني أنني أتنبأ بالغيب، أو يعني – لا سمح الله – أنني أحب البرازيل أكثر من مصر؟!!

أبداً كل ما هنالك أنني أمد الخط على استقامته، وأضعكم في الصورة التي تعرفونها جميعاً، والتي ننساها عندما نتعلق بأمل كاذب أو ننتظر معجزة لن تحدث إلا إذا حدث تغيير كبير.

….

وكذلك حين أقول لكم إن المرشح الأوفر حظاً للفوز برئاسة الجمهورية في مصر بعد الرئيس مبارك هو السيد جمال مبارك، فلا يعني هذا أنني أتنبأ بالغيب ولا يعني – لا سمح الله – أنني أحبه أكثر من الآخرين، كما أنه لا يعني أن دخوله المعركة أمر مقرر ومحسوم ونهائي – لأنه ليس قراره وحده… وكل ما هنالك أنني أضعكم في الصورة التي تعرفونها جميعاً، والتي ننساها عندما نتعلق بأمل كاذب أو ننتظر معجزة لن تحدث إلا إذا حدث تغيير كبير.

…….

عد بالذاكرة عدة أعوام للخلف، وارسم منحنى تقدم السيد جمال مبارك نحو القصر الجمهوري مع الزمن، وأجب نفسك هل بمرور الوقت يقترب أم يبتعد؟ّّ!! هل يتعزز موقفه أم يتراجع؟!! هل يبدي مزيداً من الرغبة أم مزيداً من التردد؟!! ثم قارن موقف الآخرين المحتملين… هل يتقدمون نحو الهدف أم يتراجعون؟!

ما أراه أنه يتقدم وهم يتراجعون، وأن مد الخط على استقامته يعني أنه الرئيس القادم، إلا إذا حدث تغيير كبير.

…….

دعنا نسأل الأسئلة المهمة، لنحصل على الحلول المناسبة:

هل نحن حقاً ضد تولي السيد جمال مبارك الرئاسة؟  

هل هذا الاعتراض يصل إلى درجة التضحية حتى نمنع وصوله؟

هل يمكن أن نطور الرفض الكلامي إلى منع فعلي؟

…….

ويبدو لي من متابعة ردود فعل المصريين أننا لسنا جادين في رفض تولي جمال مبارك الرئاسة،

ولا أظن أنه لم تم الإعلان غداً عن توليه المنصب فستخرج الجماهير إلى الشوارع غاضبة ورافضة،

ولا أظن أن هناك ألفاً أو حتى مائة شخص من 76 مليون مصري (بمن فيهم الصحفيين والمدونيين والناشطين المقيمين على سلالم النقابات) يرفضونه لدرجة أنهم على استعداد أن يقدموا حياتهم ثمناً لمنعه،

ولا أظن أنه لو كان هناك عدد من هؤلاء فإنهم يعرفون تحديداً ما الذي يجب عليهم فعله ليحولوا هتافاتهم الرافضة إلى حاجز حقيقي يحقق لهم ما يأملون.

سلم الجميع الراية، واتجهوا صوب الإخوان يتهمونهم بأنهم يعقدون صفقة، وأنهم غير واضحين في موقفهم، وقالها الإخوان بوضوح: "نستطيع أن نعترض، ولا نستطيع أن نمنع".

هل يمكن أن نكون أكثر ذكاء وجدية وعملية ونغير موضوع الحوار

من "كيف نمنع فلان من الوصول؟"، إلى "كيف نجهز فلان للوصول؟"…

…….

لو سارت الأمور كما هي عليه لكانت المسألة محسومة، ولن يتغير الأمر إلا مع حدوث تغيير كبير.

ولا أدري لماذا ننتظر هذا التغيير من السماء… إذا كان من الممكن أن يحدث من الأرض،

بل إنه لن يحدث من السماء إلا إذا بدأ من الأرض.

لن يمنحنا الله هدية نحلم بها، إلا إذا كنا نستحقها.

وهذه هي القاعدة الأولى والوحيدة للتغيير

…….

قاعدة التغيير الأولى والوحيدة هي: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

إن الله لا يغير ما بمصر… حتى يتغير المصريون.

و"التغيير النفسي" هو تغيير مركب ثلاثي المراحل:

المرحلة الأولى: تغيير في المشاعر والأحاسيس

المرحلة الثانية: تغيير في الأفكار والمفاهيم

المرحلة الثالثة: تغيير في السلوك والأعمال.

ولا يمكن تجاوز هذه المراحل والقفز عليها، ولا يمكن أن ندخل المرحلة الثالثة قبل أن نستكمل متطلبات المرحلة الثانية، ولا يمكن أن نقف على أعتاب المرحلة الثانية قبل أن نعبر الأولى.

لا يمكن تجاوز المراحل، ولكن يمكن الإسراع بها… فقط إذا عرفنا خارطة الطريق.

……….

ما هو الخبر الذي يجعلك تترك سريرك في الثالثة صباحاً، لتنزل إلى الشارع مع الجمهور؟

بالتأكيد ليس هو أننا نرغب في تعديل المادة 76 من الدستور، ولا  أن مصر تبيع الغاز لإسرائيل، ولا أن الحكومة خفضت العلاوة من 10% إلى 5%، ولا أن سفينة علقت في قناة السويس، ولا أن الدين الداخلي ارتفع إلى 40% من الدخل القومي، ولا أن السحابة السوداء عادت للظهور، ولا أن الماء ينقطع، ولا أن الشوارع مزدحمة، ولا أن الأرصفة مكسورة، ولا أن القطارات بغير أنظمة أمان، ولا أن نصف مصر بدون صرف صحي…

هذه حقائق هامة وهي سيئة، ولكنها أخبار عادية.

هي واقع وليست حدثاً…

والناس لا تنفعل للواقع اليومي، وإنما للحدث الصارخ.

لن يسمعك أحد إذا قلت هناك بلاعة مفتوحة، ولكنهم يمكن أن يسمعوا إذا قلت: طفل وقع في البلاعة ومات.

لن تخرج من بيتك في الثالثة صباحاً إلا لأمر: شخصي- مهم – وعاجل.

وهو ما تزال المعارضة بعيدة جداً عن تحقيقه أو "تخليقه".

………..

دعوني أقول لكم لماذا تحمس الناس للخلاف الشخصي بين الدكتور أيمن نور وزوجته أكثر مما تحمسوا لإضراب 6 إبريل…

المزيد


دولة الترابي

مايو 18th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , الفقه الأصغر .. والفقه الأكبر, يا ولدي.. هذه أمتك

الدكتور حسن الترابي هو ماليء الدنيا وشاغل الناس. وهو يستحق اللقب بامتياز سواء كان في الحكم أو في المعارضة، على منصة التدريس في الجامعة أو خلف القضبان. والرجل – شئنا أم أبينا- يتصدر الساحة السودانية منذ أكثر من 35 عاماً بنفس القدر من التوهج والحضور في المجالات التي برز فيها كعالم شرعي وأستاذ قانون دستوري ومفكر وسياسي من العيار الثقيل.

"الشيخ" الترابي المولود سنة 1932 لعائلة معروفة بالعلم والدين في منطقة كسلا شرقي السودان، حفظ القرآن صغيراً على يد والده القاضي الشرعي، وقرأ عليه بعضاً من علوم اللغة والشريعة قبل أن يتخصص في مجال القانون الدستوري المقارن الذي حصل فيه على الماجستير من جامعة لندن (1957) والدكتوراه من جامعة السوربون (1964)، وتولى عمادة كلية الحقوق بجامعة الخرطوم، وانضم إلى الإخوان المسلمين في فترة من حياته قبل أن يتركهم فور خروجه من السجن عام 1972، واقترب من السياسيين منذ عهد النميري فتولي وزارة العدل ومنصب المدعي العام الاشتراكي والنائب العام، ثم أصبح مستشاراً خاصاُ للنميري دعا لبيعته إماماً (1977) بعد عام واحد من التمرد عليه (فيما عرف بانقلاب العقيد محمد نور عام 1976)، وأقنع النميري بتطبيق الشريعة الإسلامية عام 1983، ثم عاون البشير (1989) في توطيد أركان حكمه، وتولى منصب رئيس مجلس الشعب في أزهى فترات حياته السياسية حيث أتيح له –في فرصة نادرة لمفكر بقامته- أن يحول أفكاره التي نادى بها في كتبه ومحاضراته وفتاويه إلى نصوص قانونية يحتكم الناس إليها في المحاكم، ولكن هذا الفترة لم تطل إذ دب الخلاف بينه وبين النظام، ولبث في السجن سنيناً في إثر سنين، ولا زال مع امتداد العمر به هو هو.. عقلاً متقداً وعارضة حاضرة.. واستقلالاُ في الرأي.. ومناورة وتكيفاً مع سائر التيارات السياسية والفكرية.. حتى بات عصياً على التصنيف.

وبدأت ملامح أفكار الترابي – المنسوب إلى الإسلاميين أحبوا ذلك أم كرهوه- مغايرة للسائد من الفكر الذي سيطر على الساحة بعد "معالم في الطريق" للشهيد سيد قطب. فبينما وصف سيد قطب المجتمع بالجاهلية ودعا إلى اعتزاله – ولو شعورياً- طالب الترابي ومنذ السبعينات بالانغماس في المجتمع والانخراط في أنشطته حتى النخاع. بل اعتبر أن ما يصدر عن البرلمان من قوانين بتصويت نزيه هو شكل من أشكال الإجماع الفقهي، وبالتالي مصدر من مصادر التشريع.

والترابي المفرط في التجديد حتى حافة التفريط، والذي لا يجد حرجاً في تجاوز الموروث الفقهي كله من أجل مواكبة العصر متهم من خصومه وعلى رأٍسهم "الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان": بالسعي لإلغاء الماضي وتجاوزه، والتمرد على سلطان النص، وعدم الاعتراف بأي مرجعية أسمى من "العقل" بمفهومه الغربي، أو عدم التسليم بوجود منهج أعلى يرسم للعقل طريقة تعامله مع النص، قبولاً ورداً، و متهم أيضاً بأنه يعلي من شأن  "الواقع" حتى تحول الإسلام على يديه إلى مجموعة من النسخ المحلية المتباينة تتواءم في كل منها مع البيئة الاجتماعية والظرف الموضوعي التي تترعرع فيه، ويفقد فيه هويته السماوية وقداسته الإلهية. ومع ذلك فإن هذا التجديد الذي يبدو بغير قيد ولا شرط والذي جعله أقرب إلى العلمانيين واليساريين منه إلى الإسلاميين لم يجعله واحداً منهم، لا هو أحب ذلك، ولا هم كانوا سيقبلون.

و هو متهم كذلك بالانفصال والتناقض بين مشروعه الفكري المثالي وبراجماتيته السياسية التي دفعته إلى تبني فكرة عسكرة الدولة أولاً لفرض مشروعه في الأسلمة، ثم وبعد الاختلاف مع النظام الحاكم اضطراره إلى العديد من التنازلات والتحالفات والتبريرات مع أطياف مختلفة من المعارضة والتنظيمات السياسية الشرعية وغير الشرعية، في تناقض واضح مع مبادئه وأفكاره التي يدعو إليها.

ولا تسعى هذه الإطلالة الموجزة إلى تعقب مسيرة الرجل الفكرية والحركية– وهي جديرة بالدراسة والتمحيص- بقدر ما تسعى إلى الوقوف على أهم معالم رؤيته للسياسة والحكم بعيداً عن فتاويه المثيرة للجدل والتي بدأها منذ السبعينات حين أصدر كتابه عن تجديد أصول الفقه (1977)، وهو كتاب لا يعتبره الأصوليون المحترفون ذا شأن كبير (راجع تعليقات مفتي مصر د. علي جمعة) لأن الترابي – في نظرهم – ليس أصولياً ممارساً محترفاً وإنما هو هاو مثقف، مضطرب الفكر مشتت المشاعر بسبب الظروف التي أتاحت له أن يتعرض بالقراءة والاحتكاك للكثير من التيارات والمشارب الفكرية التراثية والغربية دون أن يتعمق في أحدها، كما تنقل بين العديد من التوجهات السياسية دون أن يخلص لأي منها.

ولا يحتاج خصوم الترابي إلى بذل جهد كبير في رصد آراء الترابي الفقهية والعقدية التي خالف فيها رأي الجمهور، وتجاوز فيها الحد حتى صرح بعضهم بزندقته، ووجوب استتابته. القائمة تشمل ولا تقتصر على: رأيه بجواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة، وبأن المسيحيين واليهود مؤمنون كالمسلمين سواء بسواء، وحرية المرأة في العمل والملبس  (لا حجاب ولا نقاب) والاختلاط، وبجواز زواج المسلمة من كتابي، وبرد حديث سحر الرسول صلى الله عليه وسلم على يد اليهودي لبيد بن الأعصم، وبجواز تولي المرأة الإمامة العظمى، ونفي العصمة عن الأنبياء، وعدم الاعتراف بالأحاديث الصحيحة إذ خالفت ظاهر العلم دون اللجوء إلى رخصة التأويل، وتقدير الفن بما فيه الرقص،  وعدم التسليم بعدالة جميع الصحابة، وإباحة تغيير الدين بغير استتابة، وغير ذلك كثير من الأحكام الشاذة والساقطة في الفروع.

ولكن الإنصاف يقتضي أن آراءه جميعها لها أًصل قال به أحد العلماء القدامى كما أنها متسقة مع منهجه الذي يعلي من شأن: موافقة العصر، وتقديم العقل، وإبراز وجه التسامح في الشريعة، وتحسين صورة الإسلام لدى الآخرين. كما يقتضي التنبيه على أن هذه الجزئيات التي أخذها العلماء على الترابي كانت مما تنبأ هو نفسه بها، إذ عاب على الفقهاء النظرة الجزئية السطحية للفروع وفروع الفروع والغفلة عن الكليات والمقاصد، واتهم الفقهاء على مدار التاريخ بأنهم يميلون إلى منهج تفكيكي جزئي (كما يفعل الميكانيكي حين يصلح السيارة)، دون المنهج البنيوي الشمولي (كما ينبغي أن يكون عليه المهندس حين يصممها). فحديثه عن إمامة المرأة – استناداً لحديث أم ورقة – جاء في مقام التدليل على التكليف المستقل للمرأة وعدم تبعي

المزيد


دولة الغزالي

مايو 5th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , يا ولدي.. هذه أمتك

 

هذا هو ملخص آراء العلامة الشيخ الغزالي في موضوع الدولة والحكومة الإسلامية، كما جاء في كتابه "من هنا نعلم" الذي كتبه عام 1950 للرد على صديقه الأستاذ خالد محمد خالد حين نشر كتابه الشهير "من هنا نبدأ"، ودعا فيه للفصل التام بين الدين والسياسة ، ورفض مقولة الإسلام دين ودولة. ورغم أن الأستاذ خالد محمد خالد تراجع عن هذه الأفكار وأصدر كتابه  "الدولة في الإسلام" عام 1981، والذي صدر عن دار نشر ثابت التي يملكها ابنه، وأكد فيه أن "الإسلام دين ودولة، حق وقوة، ثقافة وحضارة، عبادة وسياسة" إلا أن جموع العلمانيين المنكرين للدولة الإسلامية يتجاهلون هذه الحقيقة ويتوقفون عند كتابه الأول، كما فعلوا مع على عبد الرازق وطه حسين، وكأنهم احتكروا آراءهم، ومنعوهم من حق المراجعة والتمحيص.

 

 

يحتوي هذا الملخص أيضاً على بعض الأفكار التي طرحها الشيخ في كتابه "قذائف الحق"، الذي أصدره في السبعينات وظل ممنوعاً من التداول في عدد من الدول العربية لسنوات، كما يحتوي على عدد من آرائه التي صرح بها في المناظرة الشهيرة مع العلمانيين (فرج فودة ومحمد أحمد خلف الله) في معرض الكتاب بالقاهرة عام 1992والتي جرت تحت عنوان "مصر بين الدولة الدينية والدولة المدنية".

 

 

 1.     من حق المسلمين فى بلادهم أن يحيوا وفق تعاليم دينهم، وأن يبنوا المجتمع حسب الرسوم التي يقدمها الإسلام لإقامة الحياة العامة . والإسلام ليس عقيدة فقط، إنه عقيدة وشريعة. .. ليس عبادات فقط، إنه عبادات ومعاملات . .. ليس يقيناً فردياً فقط، إنه نظام جماعي إلى جانب أنه إيمان فردى. إنه كما شاع التعبير : دين ودولة ..

 

 

 2.     الوحي كل لا يتجزأ، ولا فرق بين "كتب عليكم الصيام" و "كتب عليكم القصاص". و حق الله فى الحكم على عباده فوق الجدل، وشريعته تحقق العدالة والمصلحة، و تكذيب آية فى الميراث كتكذيب آية فى التوحيد أو فى الصلاة، لا معنى لها إلا رفض الخضوع لله والرد لأمره ونهيه. والشورى حق ولكن في موضع الاجتهاد وراء المصلحة العامة، أما عندما يوجد نص أن القاتل يقتل فلا أستطيع أن أقول إن الشورى هنا لها مكان.

 

 

 3.     الحكومة التي أقامها الإسلام حكومة فكرة معينة ومباديء مبينة، وهي ممثلة هذه الفكرة وحاملة لوائها، وهي إذ تطلب التمكين في الأرض والاستيلاء على الحكم إنما تقصد إلى تحقيق مراميها: "الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر".  والهدف الأول لوجودها هو تقديس عاطفة التدين، واحترام حقوق الله، وجعل كلمة الله هي العليا.

 

 

 4.     الحكم في الإسلام ليس سياجاً فقط لحماية حدوده من عدوان خصومه والصادين عنه، بل هو كذلك قيام على حقائقه الأولى بالتعليم والتربية والأمانة والتوجيه. لماذا يراد بالإسلام وحده أن يحرم من أسباب السلطان وأن يعيش فلسفة روحية مجردة، في الوقت الذي تسلح فيه اليهودية وتتسلح فيه المسيحية وتسخران دول العالم ضدنا؟!

 

 

 5.     الحكومة الإسلامية نصفها وحي من الله الذي لا يجوز أن يعصى ونصفها عقل يبحث عن المصلحة ويمشي بالقياس والاستحسان. والأجيال الجديدة تريد أن تعود إلى إسلامها ولا ينبغي أن تمنع أبدا أو أن تزاد عن هذا الطريق وكل طعن في هذه الإرادة أو هذه الرغبة إنما يكون افتئاتاً على الناس وعصفاً بحقوق الإنسان وكرامات الشعوب.

 

 

 6.    

المزيد


من هيكل إلى مبارك (3/3)

أبريل 29th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , يا ولدي.. هذه أمتك


3- خريطة الإصلاح في مصر

 

سنوات الرئيس الأولى

 

حدث شيء (يقصد اغتيال الرئيس السادات)، وهذا الذي حدث له معانيه.

إن الاعتراف بأن «شيئاً حدث» ضرورة حقيقة - والاعتراف بأن هناك «مطلوب يجب أن يحدث»، كلاهما ضرورات حق.

وأي تجاهل لضرورات الحق والحقيقة - أقصر طريق إلي المتاعب، بل لعله وصفة مضمونة لأزمات مؤكدة.

……

أليس غريبا - يا سيادة الرئيس - أن مصر أولتكم ثقتها قبل أن تسمع منكم حرفا؟ - مع أن مصر عادة لا تمنح ثقتها بسهولة. إن مصر - وقد عشت التجربة - لم تمنح ثقتها لجمال عبد الناصر إلا بعد حرب السويس العظيمة، أي بعد أربع سنوات من العمل الشاق والمضني.* كذلك - وقد كنت شاهدا - فإن مصر لم تقبل «أنور السادات» قبولا حقيقيا إلا في تلك الشهور من أواخر سنة ١٩٧٧ وأوائل سنة ١٩٧٨، وهي الفترة التي استطاع أن يقنعها فيها بحلمه الأسطوري: السلام مدخلا إلي الرخاء.


الإطار الذي قدمتم فيه أنفسكم للناس في أول خطاب حين رأي الناس أمامهم واحدا منهم لا يمثل شخصية «رمسيس الثاني» ممسكا بمفتاح الحياة في يده، ولا يقلد «لويس الرابع عشر» صاحب القول المشهور: أنا الدولة!
رجلا يتصرف بتواضع، ولا يهرول وراءه رجل آخر بدرجة وزير ليحمل عنه أوراقه، أو ثان يمسك له بمقعده يزيحه تحته عندما يجلس، ثم رجل يتكلم من نص رصين مكتوب بغير انفعال، ولا افتعال!

 

أعلن الرئيس إستراتيجيته ولخصها في أنه يريد:

"صفحة جديدة في تاريخ مصر - وحوار مفتوح مع كل القوي الوطنية - ووقت لأفكر"


ما تحتاجه مصر هو ما بدأت به سيادة الرئيس:

-          محاولة الإطلال علي الصورة العلمية للواقع الاقتصادي الاجتماعي في مصر بعد سنوات من الفوضي الشاملة والضباب الكثيف.

 

-          السماح لأحزاب المعارضة التي تعرضت للضرب العنيف أو التبريد العميق - فيما سُمي بثورة ٥ سبتمبر - بالعودة ثانية إلي المسرح السياسي، ومعها أدواتها في التعبير عن نفسها بحقها المشروع والقانوني في صحف ومنشورات،

 

-          دعوة إلي الطهارة، تعهدت باستئصال الفساد، وعدم التستر عليه بعد أن سري واستشري في أجواء تغري به، وتساعد عليه، وتبسط يد الحماية فوقه.

……..

ولعلي واحد من الذين يتصورون أنكم تواجهون معضلة إنسانية يتنازعكم فيها عاملان متناقضان: الرغبة في وضع الصورة كاملة أمام الناس، ثم التحرُّج - في نفس الوقت - من أن يبدو ذلك وكأنه محاولة لإلقاء اللوم علي آخرين.

 

ومثل ذلك الحرج - يا سيادة الرئيس - مرفوع وينبغي أن يحكمنا فيه الصدق مع النفس أولاً. فما لم يعرف الناس من أين يبدءون رحلتهم إلي المستقبل، فإن السفر إليه يصبح ضرباً من المستحيلات!


ثم إن حجم المشاكل أصبح مستعصياً علي أية محاولة للترميم أو للترقيع، لأنه لم يعد هناك بُد من إعادة البناء، أقول ذلك آسفاً، مشفقاً علي مصر وعليكم.


وإذا أدرنا البصر علي الآفاق من حولنا، فلن نجد غير مشاكل لا أعرف كيف يمكن حلها، ولا أظن أن غيري يعرف.

* * *

الخريطة السياسية والاجتماعية لمصر


انتهى مهرجان مبادرة السلام إلي صلح منفرد بين مصر وإسرائيل، أعقبه الجري اللاهث وراء سراب الرخاء والسلام حتي تم توقيع اتفاقيات «كامب دافيد»، وبه انعزلت مصر عن بقية أمتها العربية،


و سواء كانت هي التي عزلت نفسها أو كان الآخرون هم الذين عزلوها ، ومع اتساع دوائر الفساد والإفساد، والآثار الاجتماعية التي نجمت عن ذلك -  نشأ نتيجة لهذا كله من شعور بالاغتراب لدي الإنسان المصري العادي، وكان التطرف الديني رد الفعل الطبيعي لهذا الشعور بالاغتراب، فحين يشعر الفرد أن حقه في الوطن مهدد، لا يجد غير الشكوي لله.


وكان التطرف الديني هو الذي فتح بدوره الباب لما أسميناه بـ«الفتنة الطائفية» التي بدت مستغربة في مصر بعد تجربتها الوطنية الراسخة، وتجمعت هذه النذر في عاصفة الغضب التي هبت علي مصر في خريف سنة ١٩٨١، وكان حادث المنصة صاعقة البرق التي تولدت شحناتها النارية مع تصادم العواصف الزاحفة من كل اتجاه: الوطني والديني والاجتماعي والاقتصادي وحتي القانوني.

…….


المشكلة الاجتماعية: في مصر خمسة ملايين أسرة تعيش بمتوسط دخل قدره ثلاثون جنيهاً في الشهر، والأسرة مكونة من خمسة أفراد علي الأقل، والثلاثون جنيهاً يجب أن تكفيها للطعام والمسكن والتعليم والعلاج، وغير ذلك مما يحتاجه البشر.


وخمسة في المائة من سكان القاهرة يحصلون وحدهم علي خمسين في المائة من الدخل المتولد في المدينة - بينما يحصل الباقون جميعاً - ٩٥ في المائة من السكان - علي الخمسين في المائة الباقية!
وفي نفس الوقت يقال لنا إن في مصر سبعة عشر ألفاً من أصحاب الملايين.

 

……..

المشكلة الاقتصادية: وأشهر معالمها تعداد سكان يقترب من خمسين مليون نسمة، ورقعة محدودة من الأرض الزراعية تتآكل أكثر مما تتزايد، ودخل قومي بمتوسط أربعمائة وخمسين دولاراً للفرد في السنة. وقطاع عام في الصناعة مازال يحمل العبء الأكبر في عملية النمو - لكنه يتعرض لغارات معادية ضارية.


وقطاع مالي طفيلي طارئ انطلق في السنوات الأخيرة إلي عملية نهب منظم، وأزعم أن البنوك العاملة في مصر لو جردت حساباتها بأمانة لظهر أن هناك أكثر من ألف مليون دولار ديوناً «سيئة» حصل عليها مغامرون لم يفكروا يوماً في سدادها - بل كان همهم أن يخطفوا ويهربوا (ولن أذكر أمثلة مع أن السوق مليئة منها بعشرات).
أهم من ذلك، ديون خارجية يتراوح حجمها ما بين عشرين إلي خمسة وعشرين ألف مليون دولار، وميزانية دولة تشير هذه السنة إلي عجز قدره أربعة آلاف مليون جنيه، وميزان مدفوعات لا يقل عجزه - هذه السنة أيضاً - عن ألفين وخمسمائة مليون دولار

المزيد


من هيكل إلى مبارك (2/3)

أبريل 29th, 2009 كتبها  وائل عزيز نشر في , يا ولدي.. هذه أمتك

 

2-    بين السلطة والشرعية

 

الهرم في الوجدان المصري

 

كان المجتمع المصري - منذ خمسة آلاف سنة - علي شكل الهرم، ولم يكن الهرم في الوجدان المصري مجرد شكل هندسي أو تكوين معماري، وإنما كان الهرم تصورًا أو تصويرًا لأوضاع المجتمع.


"الملك الإله" علي القمة - وكبار الأمراء وكبار الكهنة وكبار القواد وكبار الموظفين، وكلهم المسئولون عن النيل والأرض والبركات(!) طبقة تحته - والمهندسون والإداريون والفنيون طبقة ثالثة تحت الطبقة الثانية - وتحت هؤلاء جميعًا قاعدة الهرم الضخمة، وفيها جموع المنتجين من الزُّراع والصُّناع - حياتهم علي النيل والأرض، وولاؤهم مضمون: بهيبة الملك الإله، وطقوس كبار الكهنة، وسلطة الحكام من كبار القواد والموظفين.


وقد قام هذا الهرم في مصر الفرعونية واستمر بعدها. والغريب - يا سيادة الرئيس - أن كل محاولات تحدي هذا الهرم لم تنجح إلي الآن، ولا بالثورة. وربما كانت الأزمة الحقيقية لمصر «الثورية» أن هذا الهرم بقي علي شكله العام رغم الحركة العنيفة صعودًا وهبوطًا علي درجاته، ورغم الصلة المباشرة التي تحققت في بعض الأوقات بين قمته وبين القاعدة.


ومع ذلك فهي في نهاية المطاف مؤسسة واحدة وسلطة واحدة، ومنها يصدر القرار، ومن القمة ينزل إلي ما تحتها. قاعدة لم تتغير مهما كان نوع القرار، سواء كان اختيار رجل لمهمة، أو تحديد مسار اجتماعي، أو سياسي أو دولي.

 

 

 في مصر: الرئيس هو كل شيء

 

كان تأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، والتوجه القومي العربي والتحول الاشتراكي، وصيغة تحالف قوي الشعب العامل - اختيارات لجمال عبد الناصر من واقع رؤيته.


وكانت قرارات أكتوبر ١٩٧٣، والتوجه نحو الولايات المتحدة الأمريكية والصلح مع إسرائيل، وسياسة الانفتاح - اختيارات لأنور السادات ومن واقع رؤيته.


ويلفت النظر - يا سيادة الرئيس - أن الأدوات التي نفذت هذه السياسات والقرارات المتباينة، كانت نفس الأدوات، أي أجهزة السلطة.


ويلفت النظر أكثر - يا سيادة الرئيس - أن التنظيمات الواجهات التي قامت علي تنفيذ هذه السياسات وتولت مسؤولية القرارات المتباينة لها - نفس التنظيمات تقريبا، بل نفس الوجوه حصرا - لأن غالبية الذين كانوا في صفوف الاتحاد الاشتراكي هم الذين انتقلوا منه إلي صفوف حزب مصر، وهم الذين انتقلوا منه إلي صفوف الحزب الوطني، والسبب واضح، فقد كانوا هم ممثلي القوي «أصحاب المصالح القائمة» القريبين من كل سلطة - أي سلطة - بحكم الحرص علي حماية المصالح، والرغبة في التأثير إلي أقصي الممكن.


وأليس ملفتا للنظر أكثر من ذلك أنه حتي أحزاب المعارضة وقتها «وحتي الآن» بدأت وجودها ونشاطها بقرار رئاسي؟ لقد كان الرئيس «السادات» هو صاحب قرار المنابر، بل اختار لهذه المنابر - اليمين والوسط واليسار - رؤساءها. وكان هو أيضا صاحب قرار تحويل المنابر إلي أحزاب وبنفس الرؤساء الذين اختارهم، وليكن أن التجربة العملية طورت الممارسات - فإن ذلك لا يغير نسب الأبوة ولا شهادة الميلاد!


ماذا أقول - يا سيادة الرئيس - هل أقول إنه حتي القانون نفسه أصبح قرارا واختيارا: قانون «حل الأحزاب» في عصر «عبدالناصر» - «إنشاء المنابر» في عصر «أنور السادات» - مجرد مثالين!

 

 

الأيام الأخيرة من حكم السادات

في أواخر عصر الرئيس السادات ظهرت فجوة واسعة بين القول المُعلن - والحقيقة المُعاشة!

كانت مصر في حالة أشبه ما تكون بحالة عصيان مدني.
مخطئ - يا سيادة الرئيس - من يقول إن ما حدث في سبتمبر وأكتوبر من العام الماضي (يقصد عام 1981) كان ثورة أو ثورة مضادة، أو شيئا شبيها بهما - بل كان ما حدث حالة تمرد عام، أو شيئا أشبه بالعصيان العام.
وكان المناخ كله تلك الأيام أحوال رفض تولد عنه غضب شديد ملأ نفوس كل الأطراف.
كان رئيس الدولة غاضبا، وكان الشارع غاضباً، وكان المسجد غاضباً، وكانت الكنيسة غاضبة، وكانت السياسة غاضبة، وكان الفكر غاضباً!

وتراجعت لغة الحوار واستحكمت لغة العنف، بادئة بحملة اعتقالات واسعة، حلا للبعض وصفها بالثورة، وبرزت المخالب وطالت الأنياب - باسم الديمقراطية وسيادة القانون - وامتلأت المعتقلات علي آخرها، والغريب أن السجون أطبقت بوابات الحديد علي كل من اعتبرتهم مصر - والعالم معها - رموزاً لكل القوي والمجموعات والتيارات الوطنية، كأن السلطة دخلت في صدام إلي النهاية مع كل الناس، ناسية أنه لا طاعة لسلطة إلا بمقدار القبول الاختياري من الأغلبية بها، وإلا بمقدار نزولها هي عند مقتضي إرادتهم.

كل فعل له رد فعل، مساو له في القوة، مضاد له في الاتجاه، هكذا تقول الهندسة، وكذلك أيضاً تقول السياسة. وهكذا فإن العنف أدي إلي العنف المضاد، وهذه تحقيقات حادث المنصة أمامنا تشهد بأن نية وخطة الاغتيال لم تتحرك ولم يرسم لها ويرتب لتنفيذها إلا بعد «اعتقالات سبتمبر

المزيد


التالي